في هذه المقالة، سنبتعد عن الجوانب السياسية المباشرة لتحوّل أبي محمد الجولاني إلى أحمد الشرع، ونركّز على الأبعاد النفسيّة الاجتماعية والنفسيّة السياسيّة، خصوصاً في ما يتعلّق بالتحوّلات في الصورة السيميائية والشخصية للرئيس الجديد ومقارنتها بشخصية من قبله وهو الرئيس بشار الأسد.
من قائد جماعة تكفيرية إلى رمز الدولة المدنية
انتقل أبو محمد الجولاني من قائدٍ لجماعات جهادية تكفيرية (بين مزدوجين) إلى رمز جديد للدولة المدنية السورية التي تضمّ عدداً كبيراً من التنوّع الثقافي والسياسي والفكري.
ولا ننسَ هنا أنّ عاصمة هذه الدولة هي من أقدم عواصم التاريخ، وهذا ما يبرر هذا الكمّ الهائل من الطوائف والعادات والتقاليد والأفكار والثقافات ودورها المحوري في منطقة تشهد الصراعات منذ القدم حتى يومنا هذا.
لقد تجلّت هذه التغييرات والتعديلات في صورة الرئيس الجديد الذي يقدّمها للظهور الإعلامي بدءاً من التخلّي التدريجي عن الاسم المستخدم ضمن الفصائل الجهادية التي كانت مرتبطة بجبهات عدة مثل «القاعدة» و«النصرة» و«داعش» وصولاً إلى اللباس الجهادي التقليدي الذي كان يظهر به في مقابلات تلفزيونية سابقة مرتدياً ما يسمّى العمامة الإسلامية، إلى نمط مظهري وسلوكي أكثر انسجاماً مع متطلبات صورة الدولة الرسمية.
تحوّل في الهوية البصرية
تحوّلت الصورة البصرية والهوية البصرية في شخصية أحمد الشرع بشكل لافت، من أسلوب الجهاديين في مظهرهم وكلامهم، إلى شخصية سياسية ذات طابع عصري ومدني.
فقد بدأ يظهر بالبدلة الرسمية ويمارس أساليب الحياة المدنية كما تغيّر حتى لباسه العسكري ليصبح أقرب إلى ألوان الجيش العربي السوري أو اللباس العسكري غير الجهادي قبل مدة قصيرة من تسلّمه وأثناء وجوده في إدلب.
مع مرور ما يقرب من ثمانية أشهر على تسلّمه الحكم، لوحظت الكثير من التبدلات السلوكية والعلامات البصرية في ممارساته، ومظهره، ولغة جسده.
غير أن هذه التبدّلات لم تكن بعيدة عمّا كان يظهر بها خصمه وعدوّه الأول سابقاً، بشار الأسد، بل كانت مشابهة لها في مناسبات عدة ظهر فيها الشرع إعلامياً بشكل متتالٍ.
فتحت هذه الملاحظة للتبدّلات السريعة في الصورة الشخصية الكاريزمية للشرع الباب أمام السؤال الرئيسي: هل يشكل هذا التشابه الجسماني محض مصادفة؟
وهل هذه التبدلات في السلوكيات الشخصية الإعلامية عشوائية؟ أم أن وراء كل ذلك أهدافاً وأبعاداً مستندة إلى نظريات نفسية ــ اجتماعية ــ سياسية؟
مرجعيّة جماعية للسوريين
في الواقع، إن عملية التحوّل التي يقوم بها أحمد الشرع لا تبدو تلقائية أو عفوية، بل تُقارب من حيث المنهج عملية إستراتيجية لصناعة الزعامة السياسية.
وهي تقوم على توظيف الرؤية البصرية والسلوكية، مستفيدة من الذاكرة الواعية واللاواعية الشعبية السورية، الفردية والجمعية، التي ارتبطت لعقود بصورة الرئيس بشار الأسد ووالده من جوانب متعددة.
فالتصوّرات الذهنية عن بشار الأسد أو بيت الأسد في البُعد الزمني – بغضّ النظر عمّا إذا كان محبوباً أو مكروهاً – تُمثل المرجعية البصرية الجماعية للسوريين حول «الرئيس».
وقد أصبحت هذه الصورة نوعاً من الإطار المألوف، نتيجة لحكم طويل امتد منذ عام 2000، وسبقته أيضاً مدة حكم حافظ الأسد الممتدة منذ عام 1970، ما جعل حكم «بيت الأسد» أطول مدة حكم مستقر نسبياً في بلدٍ عُرف سابقاً بكثرة الانقلابات.
في هذا السياق، يبدو أنّ أحمد الشرع يحاول إعادة إنتاج هذه المرجعية البصرية، عبر تقليد مظهر الأسد وسلوكياته العامة، بهدف خلق استمرارية شكلية تطمئن الجمهور وتحاكي الوعي واللاوعي الجمعي المرتبطة بصورة رئيس سوريا المرجع.
تشابه في الشكل والحركات
من حيث التقارب والتشابه الجسماني، نجد أنّ كِلا الشخصين أي بشار الاسد وأحمد الشرع يتمتعان بقامة طويلة نسبيّاً متقاربة من حيث الطول مستقيمة نحيفة شبابية متوسطة (صورة 1). شكل الوجه عريض قليلاً من الأعلى وأنحف من الأسفل، هادئ حازم لطيف غير مزعج بصريّاً.
الأذنان بعيدتان قليلاً عن الرأس ومسننتان من الأعلى وقريبتان إليه من الأسفل حجم الأنف عرضياً من الأعلى متقارب (صورة 2).
أمّا في يتعلّق بلغة الجسد، فنجد حركة يدين متقاربة أثناء المحادثة ومتفاعلة مع الموضوع والحديث (صورة 3) وحركة الأرجل أثناء المشي متناسقة ثابتة مستقيمة (صورة 4). ويوجّه الاثنان نظرات مباشرة إلى المتحدث أو الجمهور مع مراعاة توزيع النظرات على الحضور في حال وجود عدة أشخاص.
أظهرت تحليلات الذكاء الاصطناعي تقارباً بمعدل 66% بين الشرع والأسد
وأيضاً، هناك تشابه واضح في طريقة السلام الودودة بكلتا اليدين في الاستقبالات أو الوداع (صورة 5) ويد واحدة جانبية مع وقوف مواجه للكاميرا في الصور الرسمية مع الرؤساء والوفود الرسمية (صورة 6). كذلك، فالجلوس أثناء المحادثات الرسمية متشابهة بظهر مستقيم مع القدمين المستقيمتين مع الكرسي وثقة في الجلوس وندّية في المحادثة.
الـ AI يؤكّد على التشابه
الظهور الإعلامي المتشابه إلى حدّ بعيد بين الشخصيتين بعد التغييرات في سلوك أحمد الشرع، قارب أيضاً الهوايات التي كانت معروفة عند بشار الأسد مثل قيادة السيارة بنفسه (الصورة 7) وزيارة العوائل السورية في المناطق الفقيرة والصلاة خلف مفتي الدولة والجلوس بتواضع بين الصلاتين، وركوب الخيل الذي تُعرف به عائلة بيت الأسد والظهور الرياضي والمعروف أيضاً أنّه من هوايات بيت الأسد الحاكمة على مدى سنين طوال.
عُرضت هذه الصور وبعض مقاطع الفيديو بعد التحليل البشري على بعض برامج الذكاء الاصطناعي المدفوعة، فأظهرت تقارباً بمعدل عام يبلغ نحو 66% بين الشخصيتين، في الجوانب الفيزيولوجية، الصوتية، لغة الجسد، والسلوك الرمزي (صورة 8).
نسبة مرتفعة جداً بالنظر إلى مدة حكم تقارب ثمانية أشهر فقط من تولّي أحمد الشرع منصب رئيس الجمهورية السورية.
هندسة القبول الجماهيري
تُطرح هنا أسئلة جوهرية أخرى مرتبطة بالموضوع: إذا ما اعتبرنا أنّ التشابه الجسماني مسألة مصادفة، فهل التشابه السلوكي والظهور الإعلامي المتقارب والهوايات المشتركة محض مصادفة أيضاً أم أنّ جهة متخصصة هي التي وجّهت سلوك الرئيس الجديد؟ وهل أنّ وراءها أهدافاً وأبعاداً مستندة إلى نظريات نفسية ــ اجتماعية ــ سياسية؟
في الواقع، إنّ عملية التحوّل التي يقوم بها أحمد الشرع تقوم على توظيف الهوية البصرية والسلوكية، مستفيدةً من الذاكرة الشعبية السورية الواعية واللاواعية، الفردية والجمعية، التي ارتبطت لعقود بصورة بشار الأسد.
في إطار تحليل هذه التبدّلات الشكلية والسلوكية، يمكن القول إن أحمد الشرع اعتمد على ما يمكن تسميته بـ «هندسة القبول الجماهيري»، وهي إستراتيجية نفسية ــ اجتماعية تقوم على توظيف الصور، والرموز، والتمثلات البصرية والسلوكية المألوفة لدى الجمهور، لخلق حالة من الطمأنينة والقبول التدريجي. يمكن تفسير هذه الظاهرة من قبل رئيس سوريا الجديد عبر أربع نظريات رئيسية:
نظرية المرآة الاجتماعية
مفهومٌ نفسي ــ اجتماعي يشير إلى العملية التي يُشكّل بها الأفراد هويتهم الذاتية أو سلوكياتهم أو صورتهم العامة عبر عكس أو تقليد سمات أو أفعال أو مظاهر الآخرين، خصوصاً أولئك الذين يتمتعون بسلطة رمزية أو نفوذ اجتماعي.
تُشير النظرية إلى أن الذات تُبنى بناءً على نظرة الآخرين إلينا، وأن الأفراد غالباً ما يتبنون سلوكياتٍ مُنعكسة لكسب القبول أو السلطة أو الشرعية في سياق اجتماعي مُحدد. تقول للجمهور بشكل غير مباشر: «لست غريباً، لقد رأيتُم مثلي من قبل».
نظرية الرمزية في علم النفس السياسي
يستكشف علم الرمزية كيفية استخدام الرموز البصرية والسلوكية واللغوية والمادية، لتمثيل الأفكار والقيم والسلطة والهوية في المجتمع، ويؤكد على أنّ التواصل والإدراك البشريين يتمّان عبر رموز مشتركة، ما يؤثر في الفهم الجماعي.
وفي علم النفس السياسي، تساعد الرمزية في تفسير كيفية بناء القادة للشرعية والتأثير الوطني.
تقمّص الرموز البصرية التي جعلت الأسد مقبولاً، كالبدلة الرسمية، الوقار، الثبات، والظهور المتّزن.
نظرية تقديم الذات
تُصوّر «نظرية الدراماتورجيا» لإرفينغ جوفمان التفاعل الاجتماعي كعرض مسرحي، يؤدي الأفراد أدواراً بسلوكيات أمامية (علنية) وأخرى خلف الكواليس (خاصة) حيث يُدير القادة الانطباعات عبر صياغة الإعدادات والسيناريوهات والمظاهر لتعزيز الشرعية والسلطة.
يصوغ القادة صورة تمثيلية تتماشى مع توقعات الجماهير، لا حقيقتهم الذاتية.
سيكولوجية الجماهير
تشرح النظرية لغوستاف لوبون كيف أنّ الجماهير تبحث عن الصورة لا عن الفكرة، وتخاف القطيعة مع ما اعتادت عليه.
من هنا نفهم أنّ القادة غالباً ما يبنون صورهم الجديدة على صور زعماء سابقين مألوفين، سواء كانوا خصوماً أو شركاء، لتفادي صدمة التغيير الجذري المفاجئ الذي قد يثير القلق أو الرفض الشعبي.
بناء على ما تقدّم من تحليل ومقارنة بين الشخصيتين، يتبين لنا أنّ التشابه الظاهر في السمات والظهور الإعلامي والسلوكيات المتقاربة وأساليب استخدام رمزية الهوية البصرية الشخصية ليست مسألة بريئة أو عفوية، وهي موجّهة نحو أهداف محددة ومدروسة.
* متخصّص في علم النفس الاجتماعي والعلوم البصرية



