تحولت العملية الجوية التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في العاصمة القطرية الدوحة يوم 9 سبتمبر/أيلول الجاري إلى واحدة من أكبر الفضائح الأمنية والسياسية التي تواجهها إسرائيل منذ سنوات، بعدما كان الهدف اغتيال قادة بارزين من حركة حماس، لتُسفر الغارة عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نجل القيادي خليل الحية، من دون تحقيق أي من الأهداف المعلنة.
ومهمتها الأساسية تعقّب قادة حماس داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها وتنفيذ عمليات تصفية دقيقة. إلا أن ما كان يُفترض أن يكون “عملية نوعية” انقلب إلى إخفاق استخباراتي مدوٍّ، بعدما اتضح أن القادة المستهدفين لم يكونوا في المبنى المرصود لحظة الغارة، وأن المعلومات التي بُنيت عليها العملية كانت منقوصة أو مضلِّلة.
القناة 12 الإسرائيلية قدّمت تفسيرًا إضافيًا، إذ أشارت إلى أن تحذيرًا وصل في اللحظة الأخيرة دفع القادة إلى مغادرة المكان قبل وقت قصير من القصف. والأكثر لفتًا للانتباه أن “نيللي” فشلت في رصد إلغاء اجتماع كان مقررًا في الدوحة بين قادة من حماس ومسؤول قطري بارز ضمن جهود الوساطة لإطلاق سراح رهائن ووقف الحرب في غزة، وهو ما يكشف ثغرة في منظومة الرصد والمتابعة الاستخباراتية.
غضب الرب
العملية الفاشلة أحيت في الأذهان ذكريات عملية “غضب الرب” التي أطلقتها غولدا مائير عقب هجوم ميونيخ عام 1972، وأسندت تنفيذها إلى وحدة “كيدون”، فرع الاغتيالات التابع للموساد. تلك العملية استمرت لعقدين كاملين، واستهدفت قادة فلسطينيين في عواصم أوروبية وعربية، لكنها تعرّضت لفضيحة مبكرة عُرفت بـ”فضيحة ليلهامر” في النرويج عام 1973، حين قتل عملاء الموساد مواطنًا مغربيًا بالخطأ لأنه كان يشبه القيادي الفلسطيني حسن سلامة. الفارق اليوم أن خطأ “نيللي” وقع في لحظة مبكرة جدًا، وتحت أعين الإعلام العالمي، وفي قلب دولة تقوم بدور الوسيط الأساسي في النزاع، ما ضاعف من حجم التداعيات.
تحرك عربي وإسلامي
وعقد كبار الدبلوماسيين من الدول العربية والإسلامية، يوم الأحد، اجتماعا في قطر قبيل قمة طارئة دُعي إليها لبحث الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قادة من حركة حماس في الدوحة في وقت سابق من الأسبوع الماضي.
وأكد وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية أن أمن قطر هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي والإسلامي كما شددوا على وحدة الصف في مواجهة الإعتداءت.
واعتبر الوزراء خلال الاجتماع التحضيري للقمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة، أن “الإعتداء الإسرائيلي على دولة قطر يمثل خرقا للقانون الدولي وتصعيدا يهدد الأمن والإستقرار العربي والإقليمي والدولي، وهو مؤشر يستهدف ضرب الأمن العربي والإسلامي المشترك وزعزعة إستقرار المنطقة”.
وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية إن انعقاد القمة يعكس التضامن العربي والإسلامي الواسع مع الدوحة، ويؤكد رفض هذه الدول القاطع لإرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل.
التداعيات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ يشير محللون إلى أن ما حدث في الدوحة مثّل خسارة مضاعفة لإسرائيل؛ فمن جهة خسرت فرصة تحقيق إنجاز عسكري أو استخباراتي ضد خصومها، ومن جهة أخرى خسرت رأسمالها السياسي لدى القوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة التي تواجه حرجًا في تبرير هذه العملية لحلفائها الخليجيين. كما أن الفشل عمّق الانقسام الداخلي بين مؤسسات الأمن الإسرائيلية التي تبادلت الاتهامات بشأن المسؤولية عن “الثغرة” التي كشفت هشاشة في جمع المعلومات وتحليلها.