تتضمن الخطة القطرية إنشاء محطتين جديدتين تعملان بالغاز الطبيعي وفق نظام الدورة المركبة، واحدة في دير عمار وأخرى في الزهراني.

بين إنتاج حالي لا يتجاوز 400 إلى 450 ميغاواط، ومشروع قطري يستهدف إضافة نحو 3000 ميغاواط من قدرات التوليد والطاقة المتجددة، يقف قطاع الكهرباء في لبنان أمام فرصة استثمارية كبيرة، ولكن أيضا أمام اختبار مالي وتنظيمي لا يقل أهمية عن توفير المعامل والوقود.

الواقع أن أهمية المشروع القطري المقترح للكهرباء في لبنان لا تكمن في حجم القدرة الإنتاجية التي يعد بإضافتها فحسب، بل في قدرته على معالجة أزمة متراكمة تبدأ من معامل لا تعمل بكل طاقتها، ولا تنتهي عند شبكات النقل والتوزيع وكلفة التشغيل والجباية. فرفع الإنتاج إلى مستويات تتيح تغذية منتظمة على مدار الساعة يتطلب أكثر من بناء معامل جديدة، إذ يستدعي إعادة تنظيم القطاع وضمان استدامة التمويل والتشغيل، بصيغة تعاقدية تحمي المال العام وتحدد بوضوح حقوق الدولة والتزامات المستثمر.

وفي هذا السياق، يكتسب التفاهم بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري على اعتماد صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) أهمية خاصة، بالتزامن مع طرح قطر مشروعا استثماريا شاملا لتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان.

تتيح الصيغة تنفيذ مشاريع من دون تحميل الخزينة كلفة الاستثمار الرأسمالي مسبقا، لكنها لا تعني انعدام الالتزامات المالية اللاحقة التي يتعين تحديدها في العقود وآليات الدفع والضمانات.

 

   رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلا رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني

رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلا رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني

 

معامل كثيرة وإنتاج محدود

يضم قطاع الإنتاج الكهربائي في لبنان معامل حرارية وأخرى كهرومائية. تشمل الأولى الزوق والجية ودير عمار والزهراني، إضافة إلى معملي صور وبعلبك، فيما تشمل منشآت الإنتاج الكهرومائي الليطاني وقاديشا ونهر إبراهيم ورشميا.

لكن تعدد المعامل لا ينعكس إنتاجاً يتناسب مع حاجات البلاد، إذ يقتصر التشغيل الحراري حالياً على معملَي الزهراني ودير عمار اللذين يعمل كل منهما بنصف طاقته الإنتاجية، ليبلغ مجموع إنتاجهما نحو 400 ميغاواط.

ويُعزى الحد من الإنتاج في جانب أساسي منه إلى ارتفاع كلفة الفيول، بما يجعل توفير الوقود عاملا حاسما في تحديد ساعات التغذية الممكنة. أما الإنتاج الكهرومائي، فيقدر بنحو 450 ميغاواط وفق أرقام المؤسسة.
وتشير تقديرات المؤسسة إلى أن الطلب الإجمالي على الكهرباء في لبنان يبلغ نحو 3000 ميغاواط، في مقابل إنتاج حالي يقدر بنحو 950 ميغاواط، فيما يمكن أن تصل القدرة المتاحة إلى 1200 ميغاواط.

 

تفاصيل المشروع القطري

وفق وثيقة أوردت وكالة “رويترز” تفاصيلها، لا تزال الخطة القطرية مقترحا يحتاج إلى موافقة الحكومتين اللبنانية والقطرية، ويمكن تنفيذها خلال 3 سنوات، فيما يشكل تحديد الضمانات المالية وآليات الدفع أحد أبرز الملفات المطروحة للتفاوض.

وتتضمن إنشاء محطتين جديدتين لتوليد الكهرباء في دير عمار والزهراني، بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما، إلى مشاريع للطاقة الشمسية والرياح، واتفاق طويل الأمد لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 20 عاماً.

يحمل المشروع اسم “البرنامج الوطني المتكامل للاستثمار في الطاقة”، وتُقدّر القدرة الإنتاجية الجديدة التي يستهدفها بنحو 2890 ميغاواط، موزعة بين 1650 من محطتي الغاز، و800 من الطاقة الشمسية، و440 من طاقة الرياح. كذلك يشمل استيراد 300 ميغاواط من الكهرباء من سوريا عبر مسارين منفصلين، وتطوير حلول لتخزين الكهرباء باستخدام البطاريات.

وبحسب الوثيقة التي أعدتها الحكومتان اللبنانية والقطرية خلال تشرين الأول 2026، يُفترض تنفيذ الخطة خلال ثلاث سنوات، شرط الحصول على الموافقات اللازمة بالسرعة المطلوبة. ويعتمد التمويل بصورة أساسية على استثمارات القطاع الخاص، من دون إنفاق رأسمالي مسبق من الموازنة اللبنانية، فيما لا تزال التزامات الدفع والضمانات المالية خاضعة للتفاوض.

ولا تقتصر الخطة على إنشاء معامل جديدة، بل تشمل توفير الوقود اللازم لتشغيلها. إذ تتضمن اتفاقاً مقترحا بين “قطر للطاقة” ولبنان لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 20 عاماً، واستخدام وحدة عائمة لتخزين الغاز وإعادة تغويزه بطاقة تصل إلى 3.5 ملايين متر مكعب يومياً، إلى جانب الاستفادة من خط الغاز العربي عبر سوريا، بقدرة تصل إلى 4.5 ملايين متر مكعب يومياً.

 

وكان النائب سجيع عطية قد تحدث عن توفير 300 ميغاواط إضافية خلال شهرين في خطوة أولى. كذلك أشار الى تأمين قطعة الأرض اللازمة لتنفيذ الهبة القطرية بعد نحو 3 سنوات من التأخير والضغوط، لافتا إلى عراقيل واجهت تشغيل معملي الزوق والجية.

التمويل لا يلغي المخاطر

ستتولى قطر التمويل والتنفيذ والتشغيل من دون كلفة استثمارية مسبقة على الخزينة، في إطار مشروع لإعادة تأهيل البنية التحتية لإنتاج الكهرباء وتطويرها وتحديثها، وفق ما أعلن رئيس الحكومة نواف سلام. ويقوم التوجه المطروح على جذب الاستثمار الخاص، لكن نجاحه يتوقف على صياغة عقود تحدد بوضوح التزامات الأطراف، وشروط الدفع، وضمانات المستثمر، وآليات الرقابة والمحاسبة.

صحيح أن العرض القطري يفتح بابا لإعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس مختلفة، لكنه لا يحسم وحده أزمة مزمنة. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الميغاواط المعلن، بل القدرة على تحويلها إلى إنتاج فعلي ومستقر، وتوفير الغاز والتمويل، وتحديث الشبكات، وضمان شفافية العقود واستدامة التعرفة والجباية. ومن دون هذه العناصر، قد تزيد القدرة الإسمية فيما تبقى التغذية رهينة نقص الوقود وكلفة التشغيل والاختلالات البنيوية في القطاع.

سلوى بعلبكي-النهار

شاركها.