ي تطور غير مسبوق داخل المؤسسة الإعلامية الأضخم في بريطانيا، وقّع أكثر من 111 موظفاً من «هيئة الإذاعة البريطانية» BBC وما يزيد عن 300 صحافي مستقل على رسالة مفتوحة موجهة إلى المدير العام للهيئة تيم دايفي والمديرة التنفيذية للأخبار ديبورا فيرنس، ينتقدون فيها أداء الشبكة التحريري وتغطيتها المستمرة للحرب الجارية على غزة، واصفين إياها بأنها «أداء علاقات عامة لصالح الحكومة والجيش الإسرائيليين».
رسالة التمرّد الإعلامي
الرسالة، التي نُشرت بشكل جماعي من قبل صحافيين وكتّاب ومراسلين، وجّهت انتقادات لاذعة لتغطية الـBBC وعبّرت عن «القلق العميق» حيال ما وصفوه بـ«فشل منهجي في الالتزام بالمعايير التحريرية والحياد»، معتبرين أن الشبكة باتت تتجنب عرض رواية الشعب الفلسطيني، وتغض الطرف عن الفظائع اليومية في غزة، وتعيد تكرار الرواية الرسمية الإسرائيلية من دون مساءلة حقيقية.
الصحافية ريفكا براون (Rivkah Brown) من منصة Novara Media، كانت من أبرز الموقّعين، وكتبت على منصة X (تويتر سابقاً): «111 من موظفي BBC كتبوا إلى الإدارة محذّرين من أن الشبكة غالبًا ما تؤدي دور العلاقات العامة لصالح الحكومة والجيش الإسرائيليين. أكثر من 300 صحافي آخر وقّعوا الرسالة المفتوحة، وأنا من بينهم»
الرقابة الداخلية وتقييد الصحافيين
الرسالة لم تقتصر على تغطية الأخبار فقط، بل سلّطت الضوء على بيئة الرقابة الداخلية داخل المؤسسة، حيث شكى الموظفون من أن إدارة الـBBC تمنع الصحافيين من التعبير عن آرائهم حتى في حساباتهم الشخصية، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بانتقاد الاحتلال الإسرائيلي أو التعبير عن التضامن مع المدنيين في غزة.
ووفق مصادر داخلية، فإن صحافيين تلقّوا تحذيرات رسمية أو مُنعوا من الظهور الإعلامي بعدما نشروا محتوى تضامنياً مع الفلسطينيين أو استنكروا القصف الإسرائيلي على المدنيين، ما اعتبره الموقعون خرقاً واضحاً لحرية التعبير ومخالفةً لأخلاقيات الصحافة.
أزمة وثائقي «أطباء تحت القصف»
من أبرز القضايا التي فجّرت الغضب، كان رفض إدارة BBC عرض وثائقي Gaza: Doctors Under Attack الذي يسلّط الضوء على الهجمات الإسرائيلية على المستشفيات والطواقم الطبية. اعتُبر قرار الحجب هذا «دليلًا على الرقابة الممنهجة»، فيما رأى الموقعون أنّ هذا الفيلم يشكل شهادة حيّة على جرائم محتملة، كان من واجب الشبكة نشرها للجمهور البريطاني والعالمي.
خلفية تاريخية وتحذيرات متراكمة
هذه الرسالة لا تُعد الأولى من نوعها. منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، وقّع أكثر من 230 إعلامياً وموظفاً سابقاً في BBC على رسائل سابقة تنتقد «التحيّز البنيوي في تغطية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي»، وتحذر من فقدان ثقة الجمهور وتآكل مصداقية الهيئة التي تأسست على مبدأ الخدمة العامة.
وقد أشار أحد كبار الصحافيين المستقيلين إلى أنّ «الهيئة تُظهر انحيازاً واضحاً تجاه رواية الاحتلال، وتعتمد على مصطلحات تخفف من وطأة الجرائم، مثل استخدام لفظ «موتى» بدل «ضحايا القصف الإسرائيلي»، أو حذف مفردة «احتلال» بشكل تام من التقارير.
رد BBC الرسمي
في رد رسمي على هذه المزاعم، أكدت إدارة BBC التزامها بـ«معايير صارمة في التغطية المتوازنة والموضوعية»، مشيرة إلى أنّها «تتلقى شكاوى من جميع الأطراف، بعضها يتهمها بالتحيّز لإسرائيل، وآخرون يتهمونها بالعكس» ما يدل – وفق قولهم – على التوازن التحريري.
مع ذلك، فإن نبرة البيان كانت دفاعية، ولم تتضمن أي تعهّد بمراجعة سياسة التحرير أو فتح حوار داخلي مع الموظفين المحتجين.
هل تصدّعت «الحيادية» الغربية؟
ما حدث داخل «هيئة الإذاعة البريطانية» لا يمكن عزله عن التحولات العميقة التي تطال الإعلام الغربي، خصوصاً في زمن الحروب والحملات العسكرية ذات الطابع الاستعماري الحديث. فالرسالة المفتوحة الموقّعة من داخل المؤسسة ذاتها، ليست مجرد تعبير عن انقسام وظيفي أو رأي معارض، بل تمثّل مؤشراً واضحاً على تراجع الثقة بالمفهوم التقليدي للحياد الإعلامي، وتحديدًا حين تكون القضايا الأخلاقية والإنسانية أكثر إلحاحاً من أي توازن شكلي في تقديم الروايات.
إن صراع الصحافيين داخل الـBBC يعكس تحوّلاً في الوعي المهني ذاته، فجيل جديد من الصحافيين بات يرفض الصمت تحت راية «الحيادية الزائفة»، ويطالب بمنظومة تغطية تُراعي الحقيقة والعدالة، لا فقط التوازن السياسي.
الأسئلة التي تطرحها هذه الرسالة تتجاوز حدود الـBBC لتطال كل المؤسسات الإعلامية الكبرى:
هل ما زالت المؤسسات قادرة على ممارسة الصحافة الحرة تحت ضغط اللوبيات السياسية؟
أم أن الحيادية أصبحت غطاءً ناعماً للتواطؤ مع قوى النفوذ؟
وهل يُمكن فهم هذه الرسالة لا كمجرد «احتجاج داخلي»، بل كتحذير صريح بأن الإعلام، إذا لم يتحرّر من قوالبه الخشبية ومصالحه المؤسسية، سيفقد مكانته الأخلاقية، وربما وجوده ذاته كمصدر للثقة العامة؟
