ثمانية أشقاء في كفربيت يواجهون آثار الحرب بإعادة بناء معصرتهم على نفقتهم الخاصة، بعدما دمّرتها غارة إسرائيلية: “نريد مواصلة حياتنا وعملنا، ولا نستطيع التوقّف
لم ينتظر أبناء عائلة المرحوم نعمة إسماعيل في بلدة كفربيت، قضاء صيدا، وهم ثمانية أشقاء، بينهم رئيس البلدية محمود إسماعيل وأحد المغتربين، الجهات الرسمية والمسؤولة في الدولة، ولا الجهات المعنية في جنوب لبنان، لمدّ يد العون والمساعدة على محو آثار الكارثة المادية والمعنوية التي أصابت العائلة وتداعياتها.
فقد استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي، بتاريخ 25/11/2024، خلال معركة “أولي البأس” الأولى، مبنى كبيراً مؤلفاً من ثلاث طبقات بخمسة صواريخ ثقيلة، كانت كافية لتدميره بالكامل وتحويله إلى ركام، وحرق جميع محتوياته ومعداته وإتلافها. وكان المبنى يضمّ معصرة للزيتون، ومعملاً للزعتر، ومستودعاً لتوضيب المعدات وغالونات زيت الزيتون وما شابه. وقُدّرت الخسائر بأكثر من مليون دولار أميركي، على حدّ قول رئيس البلدية.
رفع الركام وإعادة البناء بمعاصر جديدة
بعد الكارثة التي حلّت بالعائلة، تداعى أفرادها إلى اجتماع، واتخذوا، بعد التشاور، قراراً جريئاً بالعمل أولاً على رفع ركام المبنى المدمّر وإزالته بالكامل، وإعادة بناء طابق واحد وتجهيزه بأحدث ماكينات عصر الزيتون، التي أُحضرت من الخارج.
وجرى كل ذلك على نفقتهم الخاصة، وناهزت الكلفة قيمة الخسائر الناجمة عن تدمير المبنى، أي نحو مليون دولار أميركي.
تنسيق مع الجيش وطابق من دون جدران أو أبواب
كان لافتاً أن كل خطوة قام بها أفراد العائلة تمّت بالتنسيق مع الجيش اللبناني. كما كان لافتاً أن الطابق الأرضي مكشوف من جميع الجهات، من دون جدران أو أبواب أو نوافذ تحميه.
وأوضح رئيس البلدية أن ذلك كان مقصوداً، كي لا تشاهد طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، التي لا تزال تحلّق فوق المنطقة وتقوم بأعمال التصوير، في المكان سوى ماكينات عصر الزيتون وعمّال المعصرة.
العمل على قدم وساق
مع بدء موسم قطاف الزيتون، جالت “النهار” في المكان وداخل المعصرة. كان الركام قد رُفع وأُزيل بالكامل، وكأن شيئاً لم يكن، فيما كان العمل داخل المعصرة يجري على قدم وساق، وكان رئيس البلدية وعدد من أشقائه يشرفون ويعملون مثل بقية العمّال.
“خلعت ثوب البلدية ولبست ثوب العمل
قال إسماعيل : “خلعت ثوب البلدية ولبست ثوب العمل، وهو ثوب الشرف والتضحية والوفاء. نحن كان عنا معصرة قديمة من زمن الوالد، الله يرحمه، هي معصرة الحاج نعيم إسماعيل. كانت معمولة بشكل عقد، من العهد العثماني. نحن وعينا مع الوالد نشتغل معه بالمعصرة، وكان الوالد شغّيل، عامل بالبلدة. مع الأيام، حطّينا براسنا وأخذنا قرار إنّه نحن نعمّر معصرة نكون مالكيها. بعد غربة طويلة، ثلاثين أو أربعين سنة، جمعنا قروشنا، والله سبحانه وتعالى وفّقنا ورجعنا عمّرنا معصرة من ثلاث طوابق، وفيها معمل للزعتر ومخزن كمان، وعم نشتغل، الحمد لله”.
“فوجئنا بضرب المعصرة وما عرفنا السبب”
أضاف إسماعيل: “خلال حرب 2024، فوجئنا بقصف المعصرة. كنت في بيروت ولم أكن أعلم بما حدث، وقد صعقني الخبر بالفعل. فنحن معروفون بأننا أبناء الأرض والاغتراب، نتعامل مع الدولة ونحبّها، ونحبّ أهلنا وناسنا. لماذا استُهدفنا؟ لم نكن نعرف السبب”.
وتابع: “كانت الأضرار جسيمة. كانت معدّاتي وآليّاتي الزراعية وسيارات إسعاف البلدية موجودة في المبنى، إضافة إلى تجهيزات المعصرة وثمانين تنكة زيت. بعد الضربة، انتظرنا المعنيّين والدولة اللبنانية والمسؤولين عن هذا الملف، لكن أحداً لم يسأل عنّا. فاتخذنا قراراً عائلياً بضرورة مباشرة العمل، لأننا لا نستطيع التوقّف أو الاستسلام أو القول إننا لم نعد قادرين على الاستمرار. لدينا أرضنا وجهدنا وتطلّعاتنا وأفكارنا التي نريد المضيّ بها”.
وقال: “من هذا المنطلق، بدأنا إعادة البناء بأموالنا وجهدنا وعرق جبيننا. لم يلتفت إلينا أحد، ولم يسأل عمّا نحتاج إليه أو عمّا حلّ بنا. تحمّلنا نحن الأشقاء الثمانية العبء كاملاً، وقرّرنا استيراد المعدّات من إيطاليا”.
وأردف: “أبلغنا الجيش اللبناني، فواكب نقل المعدّات من المرفأ إلى هنا. وأبلغنا قوات اليونيفيل أيضاً، فحضرت وكشفت على المكان للتأكّد من عدم وجود أيّ شيء آخر فيه. وأعدنا بناء المعصرة كما تراها، وتركناها مفتوحة من جميع الجهات، كي تتأكّد طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، حين تصوّر المكان، من أنها معصرة للفلّاحين والمزارعين والناس الذين يعتاشون منها، ولا تضمّ شيئاً آخر. على أيّ أساس قصفونا ودمّروا معصرتنا؟ الله أعلم. والعنوان الوحيد هو إلحاق الأذى وضرب الاقتصاد، لا أكثر ولا أقل”.
“موسم جيّد… ولا نستطيع التوقّف”
أكد إسماعيل أن “الموسم هذا العام جيّد جداً. أكرمنا الله بالمطر الذي هطل مبكراً، فبدأنا القطاف مبكراً أيضاً. والمعصرة مجهّزة بمعدّات من الفولاذ المقاوم للصدأ، حتى البراغي، وقد استوردتها كلّها من إيطاليا. ونتميّز بامتلاك عشرة آلاف شجرة زيتون في أرضنا. نعصر زيتوننا ولا نشتري الزيت من أحد، وحين أبيع زيت الزيتون الذي ننتجه، أضمن جودته وأتحمّل مسؤوليته لسنتين أو ثلاث”.
وختم: “نتحمّل الأعباء والخسائر، لكننا نريد مواصلة حياتنا وعملنا، ولا نستطيع التوقّف”.
