تكمن القوة الحقيقية في مسرحية «صفحة 7» لعصام أبو خالد وفادي أبي سمرا، والتي أُعيدَ تقديمها قبل أيام ضمن مهرجان «بيت الفنان» في حمانا، بقدرتها على تجسيد العبثية إلى جانبِ الواقعية الهادفة.

ببراعة فائقة، يستخدم العمل التناقض والسخرية واللامنطقية ليس لإثارة الضحك فحسب، بل لكشف الحقيقة العارية في مجتمعاتنا وتناقضات الإنسان المعاصر الباحث عن نقطة سكون في عالم يعج بالفوضى ويرزح تحت وطأة الأزمات المتتالية.

وعلى الرغم من أن النص كُتب عام 2007، ونشأ في سياق لبنانيّ محدد، إلا أنه ما زال مُتجدّداً ويُتيحُ التفاعل بين الجماهير من خلفيات ثقافية مختلفة (كما في ألمانيا واليابان)، وهو ما يدعونا إلى تأمل الفرق الجوهري بين الحداثة والتقليد في ضوء الزمان والمكان والسياقات المختلفة.

فـالقديم لا يكمن في زمن العمل الفني، بل في تكرار التجارب النمطية، وإن كانت حديثة العهد. أما الحداثة، فهي استمرارية التساؤلات النابعة من جوهر الأعمال الفنية الحقيقية، تلك التي قد تمر عليها آلاف السنين وتبقى نابضة بالحياة.

من هنا، أثبتت مسرحية «صفحة 7» في عرضها الجديد، أنها نموذج فريد للمسرح العبثي في العالم العربي، وتجربة وجودية تتخطى حدود الزمان والمكان، مؤكدةً على حضورها القوي والمتأصّل في الذاكرة الجماعية.

  • (تصوير ريما مارون)
    (تصوير ريما مارون)

النصّ الذي اشترك عصام أبو خالد وفادي أبي سمرا في تأليفهِ، يتكشّفُ على عالمية الموضوعات والتساؤلات حول المعنى، الانتظار، الاغتراب، والبحث المُفرغ عن الذات. فالقصّة التي لا تذكر أسماء أو أماكن محددة، تصبحُ نموذجاً يمكن إسقاطه على أي مجتمع وإنسان. وتمنحُ قدرةً على طرح أسئلة وجودية أساسية بدون تقديم إجابات جاهزة.

بدلاً من ذلك، تدفع الجمهور إلى التساؤل الوجودي الخاص به. إنها ليست مسرحية تلقينية، بل دعوة للتأمل والمواجهة مع حقيقة أن الحياة قد تكون بلا معنى ظاهر، وأنّ هذا اللامعنى قد يكون هو المعنى الوحيد الذي يمكننا إدراكه. وهذا ما جعل المسرحية مرجعاً لطلاب التمثيل في لبنان.

لغة الجسد والصوت: مدرسة إبداعية في الأداء

الأداء المتقن لعصام وفادي، والاعتماد على الجسد والصوت كأداتين أساسيتين بدون الحاجة لمكبرات الصوت، يمثلان ثورة على المألوف في المشهدية المسرحية اللبنانية الحالية. هذا الاختيار ليس مجرد تفضيل جمالي، بل تأكيد على مبدأ أساسي بالتزام الأصالة في عالم يفتقر إليها. عندما يتخلى الممثل عن التقنيات المساعدة ويعتمد كلياً على قدراته الجسدية والصوتية، فإنه يعيد المسرح إلى جوهره البدائي، حيث يكون الجسد البشري هو الآلة التي يعزف عليها صوته ويحرر خياله.

هذا التركيز على الأداء الطبيعي يعمق من إحساس الاغتراب، حيث يصبح صوت الممثل هو الصوت الوحيد الموثوق به في عالم يضج بالضوضاء والزيف. إن قدرتهما على التنقل بين الهمس والصراخ دون نشاز يجسد ببراعة التناقضات الداخلية للشخصيتين وللموضوع، ويبرز كيف يمكن لـلسخرية والكوميديا السوداء أن تنبع من أعمق نقاط اليأس. هذا الأداء المتمكن، الذي ترفع له القبّعة، يدعو المشاهد إلى تجربة حسّية وفكريّةٍ أكثر عمقًا.

سينوغرافيا العبث التجريدي

الخشبة السوداء في الفضاء المفتوح الذي يشبه اللوحة التجريدية لا تستدعي فقط أجسادَ آلاف الغرباء والمشردين تحت الجسور وصخور المارينا، بل تتحول إلى مدينة مفتوحة تعبر جسورُها فوق أكتاف المتسولين. المكان ليس مجرد خلفية، بل ممثل ثالث صامت يتفاعل مع الشخصيات ويجسد تحولات الواقع. هذه السينوغرافيا البسيطة والعبقرية (تصميم: سرمد لويس) تتجلى في قدرتها على التماهي مع الاحتمالات التي لا تخدم فقط السرد، بل ترمز إلى سيولة الوجود وعدم استقرار المعنى. ففي لحظة تتحول إلى تخطيطات طرق، ثم مقابر، أو مقاعد وطاولات، أو حتى صخور على مارينا شعبية. تبدأ منها حكاية العلاقة الملتبسة بين رجلين، ظلين، أو نصفين لرجل واحد.

أما الضوء، فهو ممثل رابع يتناغم إحساسه مع إيقاع الصوت والكلمة والمشاعر، ويضفي على العمل بعدًا وجوديًا خاليًا من غاية التزين أو وظيفة إضاءة المشهد البحتة، بل يخدم وظيفة رمزية أعمق: فهو يسلط الضوء على الفجوات في المعنى، ويبرز لحظات من الوضوح في خضم العبث. وكذلك الملابس (تصميم بشارة عطالله) تحمل شاعرية تعيدنا إلى سياق زمني دافئ مفتوح على الحاضر والماضي.

ثنائية الانتظار والعبثية: أصداء من بيكيت

تتجسد في «صفحة 7» ثنائية الانتظار التي تستدعي على الفور رائعة بيكيت «في انتظار غودو». شخصيتا عصام وفادي، المتشردان اللذان يعتاشان على موائد العزاء، وقائمة الوفيات الواردة في الصفحة «السابعة » من الجريدة، يجسدان هذا الانتظار العبثي في حلقة مفرغة، مما يعكس بوضوح مفهوم فقدان المعنى في الحياة والواقع المدفوع بنظام صارم من الانتظار والتكرار. تدور أحداث المسرحية في دائرة من الضوء، وكأنها سكونٌ متحرك، تشبه بانوراما المسرح والسينما معًا، فتمدُّ جسرًا يربطُ المسرح العبثي بالشخصية الهزليّة، وتقنيّات الإيماءِ وصورة «المتشرد» الموروثة.

  • (تصوير ريما مارون)
    (تصوير ريما مارون)

على الرغم من عبثيتها الظاهرية، تحمل الحوارات في طياتها بناءً فلسفياً عميقاً، وسرديات مفتوحة على تأويلات زمنية متعددة. هي السردية نفسها التي قد تنطبق على الحرب الأهلية، أو حرب تموز، أو انفجار الرابع من آب، أو الحربين العالميّتين، أو أي صراع آخر، فالتاريخ يتكرر في حلقة مفرغة تشبه حلقة الزمن السياسي والاجتماعي في لبنان وتكالب الأقطاب العظمى على السيطرة وإن كانت على حسّاب سحقِ الإنسان وتسليعه، مما يعزز فكرة اللامنطقية وفلسفة العبث التي ترى أن سعي الإنسان لإيجاد معنى في عالم لا يستجيب لهذا السعي هو صراع عبثي بحد ذاته.

السكيزوفرينيا السردية: تكسير الواقع وتقاطعات الهوية

إن السكيزوفرينيا الواضحة في تداعيات الأحاديث، حيث يختلط المخاطِب ويصبح الممثلان صوتًا واحداً لسردية واحدة، تتجاوز مجرد كونها تقنية درامية، إنها تمثل تكسيراً للواقع المسرحي، وتعكس حالة من تقاطعات الهوية في عالم ما بعد الحداثة.

تذكرنا شخصيتا عصام وفادي بصورة التوأمين الملتصقين، جسد واحد برأسين، أو رأس واحد بجسدين. يعبّر أبي سمرا عن مأساتهِ: «حاسس إني علقان بالنص»، ليجيبه عصام: «ما في نُصّ لأن نحنا تنين، لازم نكون 3 ت يكون في بالنص ». هذه الثنائية القطبية، وحدّية المزاج، وهذا الجدلُ يعرّي طبيعة العلاقة السامة بينهما، التي تتسم بتذبذب سريع بين رغبة في إضمار الموت ورغبة شديدة في إظهار الحب وتسوّل الشفقة.

إنه فصام حاد لطيف يعكس تعلقاً مَرضيّاً عميقاً وتنافراً سطحيّاً يدفع بالجمهور إلى التعاطف معهما، وإسقاط تجربته الخاصة.

في الختام، تضعك مسرحية «صفحة 7 » أمام مرآة تعكس هشاشتك الإنسانية، وتحديات مجتمعك، والعبثية المتأصلة في الوجود. إنها دعوة للتفكير العميق، لا عن المسرحية فحسب، بل عن حياتك نفسها. إنها تذكرنا بأن العبث ليس نهاية المطاف، بل قد يكون نقطة البداية لرحلة جديدة في البحث عن معنى، أو ربّما عن اللامعنى.

شاركها.