السلطة سرعان ما ردت على”استعراض القوة” الذي مارسه الحزب على الأرض، فنفذت قواها الأمنية انتشاراً أمنياً، إذ نزلت عشرات الدوريات تجوب كل الضاحية الجنوبية وتقيم حواجز ثابتة وأخرى متحركة
في ساعات ما بعد ظهر السبت الماضي تكوّنت لدى الراصدين معطيات تثبت لهم أن جولة المنازلة الميدانية الأخيرة بين السلطة و”حزب الله” انتهت، ولكن بنتيجة يكتنفها الغموض والالتباس، وإن كان المرجح أن هذه التجربة المحدودة جاءت نتيجة اعتبارين اثنين:
– الأول حاجة كل منهما لاستيعاب الضغوط التي تُمارس عليه من قبل الذين ضاق خلقهم من “الوضع التعادلي الحالي “.
– والثاني حاجة كل طرف لاستكشاف نتائج رهاناته على الوقت وعلى عملية استنزاف كل منهما للآخر خلال العامين الماضيين على تجربة التعايش الصراعي.
المعلوم أنّ المواجهة فُتحت حينما أوقفت السلطة شحنة المتفجرات التي كانت في طريقها من البقاع إلى الضاحية الجنوبية، ثم رفضت طلب الحزب تسليمها له، وأتبعت الأمر بالتلويح بإجراءات لتصعيد الموقف قضائياً. فما كان من الحزب إلا أن رد عبر أحد نوابه حسن فضل الله مؤكداً ملكية الحزب للشاحنة المضبوطة وحمولتها، محذراً من مغبة المضي بتهديد الدولة بإجراءات عقابية للحزب.
بعد أقل من 24 ساعة على هذا الكلام العالي النبرة، ومساء اليوم نفسه كانت بيئة الحزب تبعث عبر ساحة بشارة الخوري في قلب العاصمة الحيوي هذه المرة برسالة تترجم عملياً رسالة محتوى رسالة فضل الله، إذ ظهرت هناك مجموعات شبابية متحفزة للشّغب.
وبعدها بساعات قليلة سُجلت على أرض حي الأميركان، على أطراف الضاحية الجنوبية لجهة الحدث، تجربة عنفية أخرى، وذلك عندما تم التصدي من قبل مجموعات شبابية ظهرت فجأة بطريقة استفزازية لدورية أمنية حضرت إلى المنطقة لتدهم مخزن أدوية على خلفية أنه يحوي أدوية مزوّرة.
لاحقاً أصدر إعلام الحزب بياناً أعلن فيه أن الاعتراض لم يكن مبدئياً على دهم مخزن الأدوية بل إنه اعتراض على حصول الدهم في “منطقة حساسة” تخضع لتفاهم سابق بين الأجهزة الأمنية الرسمية والحزب، وينص على أن تبلّغ الأجهزة الأمنية الرسمية جهات الاتصال والتنسيق المعنية في الحزب مسبقاً بعملية الدهم.
وبصرف النظر عما آلت إليه الأمور في المكانين، إلا أن السلطة سرعان ما ردت على”استعراض القوة” الذي مارسه الحزب على الأرض، فنفذت قواها الأمنية انتشاراً أمنياً، إذ نزلت عشرات الدوريات تجوب كل الضاحية الجنوبية وتقيم حواجز ثابتة وأخرى متحركة.
وما لبث الحزب أن تراجع مُصدراً بياناً ورد فيه: “لا نتعاطى مع انتشار الجيش اللبناني في الضاحية على أنه إجراء استثنائي يل هو أمر طبيعي “.
إلى هنا انتهت وقائع المنازلة وإن كانت محدودة، إلا أنها حملت وفق إحصاءات المنازلة الرقم تسعة منذ مجيء العهد الحالي، وبعدها مباشرة انصرف كل طرف إلى إجراء جردة حساب للمكاسب التي يعتقد أنه عاد بها من هذ التجربة التي عُدّت نوعية في سياق التجارب المماثلة. فالسلطة تعتقد أنها أثبتت من خلالها، إلى من يعنيهم الأمر في الداخل والخارج، أنها ليست كما يُشاع عاجزة وقاصرة عن المبادرة والفعل أمام الحزب، وأنها استتباعاً خرجت مما يمكن أن يكون التزامات وتفاهمات سابقة مع الحزب، فيما الحزب يعتقد أنه أعاد بما فعله رسم الخطوط الحمر، وأعاد الاعتبار إلى “ثوابت” حصّلها سابقاً، وأظهر تالياً لجمهوره الذي يتّهمه بالتراجع المستمر أمام هجمات السلطة، أنه ما زال يملك هامش الحركة والتحدي في وجه السلطة.
وماذا بعد؟
مما لا ريب فيه أن هذه المنازلة أنتجت جملة وقائع سيأخذ كل طرف من الطرفين فرصته ليدرسها ويبني عليها المقتضى.
لكن المراقبين من خارج الطرفين تبنوا فرضية أن ثمة حاجة إلى مزيد من “مواجهات الاستنزاف” وانتظار اتجاه الريح للصراعات الإقليمية المحتدمة.