انطلقت في تموز (يوليو) عام 1925، شرارة الثورة السورية الكبرى من جبل العرب، معلنةً رفضاً شعبياً عارماً للانتداب الفرنسي، ومؤسسةً لحظة وطنيةً كبرى ما تزال تُدرَّس بوصفها الحدث الأهم في التاريخ السوري الحديث. قادها سلطان باشا الأطرش، لكنها لم تكن ثورة فرد، بل صوت جماعة اختارت الكرامة على الخضوع.
بعد مئة عام على ذلك الحدث، تقف السويداء أمام مرآة تاريخها، ليس فقط لتستعيد مجدها، بل لتسأل نفسها بصراحة: هل نجحت في ترجمة روح ثورتها إلى مشروع ثقافي حيّ؟ أم اكتفت بتمجيد الماضي من دون امتداده في الحاضر؟
الثورة ثقافة شعبية أكثر من كونها حدثاً عسكرياً
الثورة في السويداء لم تكن مجرد اشتباك مسلح. كانت تعبيراً عن وعيٍ جمعي راسخ: يتأكد ذلك عبر الشعر المحكي والملاحم البطولية التي كانت تروى في المجالس، وتُغنى في الأعراس والجنائز.
الأغاني التي نشأت من حكايات المعارك، مثل «بالروح نفدي وطنا» التي باتت تنتمي إلى ذاكرة الثورة بقدر ما تنتمي إلى الغناء. أسماء نسائية مثل بستان شلغين، صنعت صورة المرأة المقاومة لا المتفرّجة. لم تكن الثقافة حينها نخبوية. كانت فعلاً يومياً حيّاً، تُمارس في الحقول، وفي الأعراس، وفي صرخات الثأر.
المشهد الثقافي الراهن: تراجع أم تحوّل؟
بعد قرن، تقف السويداء على عتبة تحوّل بالغ. صحيح أنّ الثقافة لم تعد في صلب الحياة اليومية كما كانت، لكنّ الواقع أكثر تعقيداً من مجرد اختفاء.
ومن مظاهر التراجع التي عاشتها المحافظة، غياب المهرجانات الثقافية مثل «مهرجان سلطا» الذي توقف لأسباب مالية وتنظيمية، وتهالك المراكز الثقافية في مدن مثل صلخد، شهبا، وعتيل، وغياب النشر الرسمي أو الدعم للكتّاب الجدد، رغم توافر الروائي الجاد والمختلف مثل ممدوح عزام الروائي الملقب بماركيز سوريا، وغيره من الكتاب المعروفين بحسّهم الأدبي الرفيع وعمدهم في نقل قصص تحاكي الثورة ورموزها مثل: محمد رضوان.
أسماء نسائية مثل بستان شلغين صنعت صورة المرأة المقاومة لا المتفرّجة
مع ذلك بقيت، هناك مقاومة ثقافية صامتة مثل ما يقوم به المسرحي رائد مزهر، الذي يقدم عروضاً مسرحية مستقلة في قبو منزله مع مجموعة شباب، يناقش فيها قضايا الواقع والتهميش، أو ما تفعله الشاعرة ميسون أبو عسلي التي تكتب قصائد بالعامية عن «أجدادنا اللي ما رضوا بالذل»، تنشرها على فايسبوك وتحظى بتفاعل شعبي، والعروض الافتراضية للرسام المغترب إياد كنعان لبورتريهات لثوار 1925، بعنوان «صوت الجبل».
تحوّل أدوات التعبير: من البندقية إلى الصورة
جيل اليوم لا يحمل البندقية، بل الكاميرا، القصيدة، الأغنية. الثورة الآن ليست حدثاً، بل رؤية، والوسائل اختلفت. السويداء مليئة بالطاقة، لكنها بلا حاضنة. الدولة لا تدعم، والجهات الثقافية الرسمية في سبات.
ما ينجو اليوم من الفعل الثقافي، هو فقط ما يولد من الألم الفردي، لا سيما أنّ نسبةً كبيرة من الجيل الشاب فيها درس الفن والنحت والتصوير والإعلان في كلية الفنون الجميلة، وتكاد تكون المدينة الوحيدة في سوريا، التي تظهر فيها المرأة بتماثيل منحوتة ومعروضة في الساحات العامة، ناهيك بأغنيات الأميرة أسمهان وفريد الأطرش وفهد بلان وسميرة توفيق التي بقيت في الذاكرة تتناقلها الأجيال إلى اليوم.
نحن بحاجة إلى مسرح محلي حقيقي مدعوم، لا سيما أنّ خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية وغيره من المعاهد التمثيلية ترفد سنوياً الوسط الفني بأسماء موهوبة وواعدة، وجريدة ثقافية تصدر من أبناء الجبل. نحن بحاجة إلى إحياء الأرشيف الثقافي للثورة الكبرى. وتدريس سيرة سلطان الأطرش ورفاقه في المدارس بطريقة حيّة لا تلقينية.
ما بعد الذكرى
الاحتفال بمرور 100 عام على الثورة لا يكفي. إن لم تتحوّل المناسبة إلى مشروع ثقافي دائم، فإنّ المجد سيبقى مجرد صفحة في كتاب. لقد آن الأوان أن نُعيد بناء مفهوم «الثقافة كثورة» لا تمجيداً للبندقية فقط، بل احتفاءً بالكلمة، بالصورة، بالإنسان.
ما تمرّ به السويداء اليوم، من هجمة شرسة تذكرنا بشراسة انتداب قديم حاول إلغاء روح الأرض ونبضها لكنه لم يتمكن.
وها هي الصرخة تتجدد اليوم كأنّها نطق صارخ في وجه البشرية، فما يحلّ من دمار للبيوت وحرق لكل مقومات الحياة وقتل وتهجير وغيره من الأفعال المتطرفة بحق البشرية هو بحد ذاته تذكير لانطلاق ثورة عام 1925 التي علّمت المعتدي الدرس القاسي، وستعلم الناس اليوم درساً متجدداً.
لا تزال السويداء قادرة على أن تكون صوتاً وطنياً فاعلاً، إن استطعنا أن نترجم ذاك الصوت الثوري إلى مشروع ثقافي حديث، يستوعب تغير الزمن، ويحتفظ بجوهر الكرامة.
* صحافي سوري
