بعد سنوات من التعب الاقتصادي والمعيشي، يعيد زياد الرحباني لشارع الحمرا في بيروت هويته الثقافية. هكذا من الطبيعي أن يقف الناس على جانبي الطريق في الشارع يودعون زياد في زيارته الأخيرة لهم. يتذكرون مع كل خطوة وهتاف يرفعونه للعبقري الراحل كل ما قدمه للمدينة وشارعها من مسرحيات وأعمال منحت المدينة هوية أخرى بعيداً عن الحرب والفساد والنظام الطائفي.
تشييع زياد الرحباني جاء يشبهه، لا دور للدولة التي يصح عليها قوله «قرطة عالم مقسومين». هذا التشييع صنع الشعب «العنيد». الرفاق القدامى، الجيل الذي واكب مسرحه، والشباب الذين تبنوا موسيقى زياد. هكذا اجتمعت الأجيال الثلاثة تودع آخر ما يجمعها، وتصرخ: «لماذا لم تعلن الدولة حداداً.. لماذا لم تغلق الشوارع؟».
وإذا بأجسامهم التي تحمل الورود وصور زياد تجبر الطرقات على الإغلاق لتوديع زياد كما يليق به. حتى الصحافة في وداع زياد لا تقف على الحياد. يتوقف المصور عن عمله ليصرخ «الله معك يا زياد». الكلّ يكسر القوالب معه.
وكما في العروض السينمائية، حصل زياد على أطول موجة تصفيق رافقته من لحظة خروج جثمانه من «مستشفى فؤاد خوري» إلى آخر محطة له في شارع الحمرا قبل التوجه إلى مثواه الأخير في بكفيا، مع ترديد اسمه وبعض أغانيه. ربما قول «الفضل للي جمعنا.. الفضل.. لك زياد» ربما كلمات أغنية «نزل السرور» الأكثر تعبيراً عن شارع الحمرا اليوم.
في إحدى مقابلاته، يقول زياد «انشالله ما تقلي شو الكلمة الأخيرة.. يا ريت بعرف قلن للعالم شي». والعالم اليوم في تشييعه قالوا عنه كل شيء. صرخوا «شكراً زياد»، ومنهم من قالوا ما لديهم بالدموع. لكنّ الأكيد أن أعمال زياد قالت كل شيء، وكان يعرف ماذا يقول. وكما قال في برنامجه الإذاعي «العقل زينة» عن محاولات اغتيال وقتل الأدباء، «حتى لو مات الكاتب، ما حيصير شي، لأنه ورق، لأنه في منه ألف نسخة». وزياد في منه ألف كلمة وأغنية ومسرحية ولحن.
