في مشهدٍ لم يكن أحد ليتخيّله قبل أشهر، صار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مرجعاً لمتداولي وال ستريت. لا يتعلّق الأمر بمزحة على الإنترنت، إنها ظاهرة حقيقية تتقاطع فيها الحرب مع الأسواق المالية والدعاية والسياسة، وتكشف شيئاً جوهرياً: أن المسؤولين الإيرانيين يعرفون الشارع الأميركي أكثر مما يعرف الأميركيون الشارع الإيراني.

قاليباف: الجنرال الذي صار «محللاً مالياً»

حين كتب قاليباف على منصة «إكس» يوم الأحد 29 آذار (مارس) الماضي: «تنبيه: ما يُسمّى أخباراً أو حقائق قبل افتتاح السوق، غالباً ما يكون فخاً لجني الأرباح. باختصار، إنه مؤشر عكسي. افعلوا العكس: إذا رفعوه اصطناعياً، راهن على هبوطه. وإذا أسقطوه، راهن على صعوده»، لم يكن يتحدّث إلى جمهوره الإيراني. كان يتحدّث مباشرةً إلى المتداولين الأميركيين، بلغتهم، وبمصطلحاتهم.

 

والمفاجأة أن نصيحته نجحت.

إذ في اليوم التالي، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغريدة قبل افتتاح الأسواق بساعتين يتحدث فيها عن «تقدم كبير» في المفاوضات مع إيران. ارتفعت الأسواق عند الافتتاح ثم تراجعت، تماماً كما توقّع قاليباف.

رصدت نشرة «ذا كوبيسي ليتر» المالية الشهيرة التطابق بين تنبؤ قاليباف وحركة السوق، وعلّقت: «لا يمكنك اختلاق هذا: نصيحة إيران للمستثمرين الأميركيين نجحت فعلاً».

والأبعد من ذلك أن الرئيس السابق لقسم التحليل الكمّي في بنك «جي بي مورغان»، ماركو كولانوفيتش، تفاعل مع منشور يشير إلى تغريدات قاليباف، فيما علّقت شركة الأبحاث «سيتريني» ساخرةً: «هذا هو محلّلي الكمّي» (في إشارة إلى مشهد من فيلم The Big Short يقدّم فيه متداولٌ محلّله الحسابي الذي يبني عليه رهاناته في السوق).

لكن قاليباف لم يكتفِ بدور المحلل المالي. فقد اتّهم ترامب بالتلاعب بأسواق النفط والأسهم عبر تصريحاته المتقلبة، كاتباً: «الأخبار الكاذبة مصمّمة للتلاعب بالأسواق المالية وأسواق النفط، والهروب من المستنقع الذي تغرق فيه أميركا وإسرائيل.»

 

كما شبّه مظاهرات «لا ملوك» التي اجتاحت المدن الأميركية بالثورة الإسلامية، كاتباً: «مرحباً بكم في الحفلة التي بدأناها قبل 47 عاماً. هذا هو شعب إيران، ونحن نوافق على هذه الرسالة». عبارةٌ تحمل سخرية لاذعة وفهماً دقيقاً للمزاج الأميركي الغاضب من إدارته.

عراقجي: ثلاث كلمات هزّت أميركا

في الخامس من آذار الماضي، جلس وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمام كاميرا برنامج «إن بي سي نايتلي نيوز» من طهران. سأله المذيع توم لاماس: «هل تخشون غزواً برياً أميركياً؟» فأجاب عراقجي ببرود: «لا، نحن ننتظرهم». أعاد لاماس السؤال مستوضحاً: «تنتظرون الجيش الأميركي ليغزوكم؟» فأجاب: «نعم. ستكون كارثة كبرى عليهم».

 

انتشر المقطع كالنار في الهشيم. مجلة «ذا أميركان كونسرفاتيف» المحافظة نشرته. مواقع يسارية ويمينية تداولته. لم تكن العبارة في إطار تحدٍّ عسكري، كانت رسالة نفسية موجّهة إلى الأميركي العادي الذي لا يزال يحمل ندوب العراق وأفغانستان.

عراقجي تحدّث عن «الانتظار»، وهي كلمة تستحضر في المخيّلة الأميركية كل كوابيس حروب العصابات والمستنقعات التي لا تنتهي.

وفي مقابلة لاحقة مع «الجزيرة»، وسّع عراقجي رسالته مؤكداً أن اغتيال الشهيد السيد علي خامنئي لم يُسقط النظام، وأن المنظومة أكبر من أي فرد. هذه الرسالة كانت موجّهة بقدر متساوٍ إلى الجمهور الأميركي والإيراني معاً.

لاريجاني: الرجل الذي أعاد الأنظار إلى «إبستين»

قبل اغتياله في 17 آذار، صار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الشهيد علي لاريجاني واحداً من أكثر المسؤولين الإيرانيين متابعةً من قبل الأميركيين.

لم يحدث ذلك بسبب منصبه السياسي أو وصفه بالحاكم الفعلي لإيران، فقد جاء نتيجة تغريدة واحدة كتبها بالإنجليزية في 15 آذار على منصة «إكس»: «بلغني أن بقايا شبكة إبستين يُعدّون مؤامرة لافتعال حادثة شبيهة بهجمات 11 أيلول وإلصاقها بإيران. إيران ترفض جذرياً هذه المخططات الإرهابية، ولا تخوض حرباً ضد الشعب الأميركي».

 

ضربت التغريدة وتراً حساساً في الوعي الأميركي. ربطت بين فضيحة سيئ الذكر جيفري إبستين التي تشغل الرأي العام، وبين مخاوف من تكرار سيناريو الحادي عشر من أيلول بذريعة جديدة.

لم يتوقف لاريجاني عند ذلك. فحين وصف وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث القادة الإيرانيين بأنهم يختبئون «تحت الأرض كالجرذان»، ردّ لاريجاني بصورة من مسيرة يوم القدس في طهران ظهر فيها علناً مع الرئيس بزشكيان، وكتب: «سيد هيغسيث! قادتنا كانوا وما زالوا بين الناس. أما قادتكم؟ فعلى جزيرة إبستين!».

 

انتشرت العبارة حتى صارت العملية العسكرية الأميركية المسمّاة «عملية الغضب الملحمي» تُعرف ساخراً على منصات التواصل بـ«عملية غضب إبستين». بعد يومين من هذه التغريدات، اغتيل لاريجاني في غارة إسرائيلية.

المصدر:الاخبار اللبنانية

شاركها.