لم يعد مصطلح «الدولة العميقة» مجرّد تعبير أكاديمي يُستخدم في حقل العلوم السياسية لوصف بنى خفية داخل الدولة الحديثة، بل ازداد حضوره في النقاش العام، وتحوّل في السنوات الأخيرة إلى أداة سياسية تستحضر في الخطابات المتوترة لتفسير الأزمات أو تحميل المسؤوليات لفاعلين آخري، غير أن اختبار السياسيين اللبنانيين، سيما رئيس حزب القوات سمير جعجع، لهذا المفهوم في السياق اللبناني يكشف حدوداً مختلفة تماماً تتصل بحدود فهمه للمفهوم من جهة وبطبيعة بنية الدولة نفسها من جهة أخرى.
تُظهر الأدبيات التي تناولت بنية النظام اللبناني أن مقاربة الدولة فيه لا تستقيم ضمن النموذج الكلاسيكي للدولة المركزية، ولا ضمن التصورات التي تفترض وجود «دولة داخل الدولة» تعمل في الخفاء وتوجّه القرار من وراء المؤسسات الرسمية. فالدولة في لبنان لا تتشكل بوصفها جهازاً سيادياً مكتمل الاحتكار للسلطة، بل كإطار هشّ لتوازنات سياسية وطائفية واجتماعية متراكبة، تتقاطع فيه المؤسسات الرسمية مع قوى غير رسمية في إنتاج القرار وتوزيعه.
حزب الله و«الدولة العميقة»
إن المشكلة في الحالة اللبنانية لا تكمن فقط في صعوبة انطباق مفهوم «الدولة العميقة»، بل أيضاً في طريقة استخدامه دون تدقيق مفاهيمي، بما يحوّله إلى أداة تبسيط تُخفي تعقيد الواقع بدلاً من تفسيره. فبدلاً من البحث عن «دولة داخل الدولة» بوصفها كياناً خفياً، قد يكون الأجدى تفكيك البنية الفعلية للسلطة كما هي: شبكة متداخلة من الفاعلين، تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والداخل بالخارج، والدولة بما يتجاوزها.
وفي هذا السياق، يبرز تكرار جعجع للمصطلح بوصفه مثالاً على هذا النوع من الاستسهال المفاهيمي، حيث يُستحضر في سياقات سجالية للإشارة إلى بنية يُفترض أنها تتواطأ مع خصومه السياسيين داخل مؤسسات الدولة. ويُعاد توظيف «الدولة العميقة» هنا ككيان يُتَّهَم بالتواطؤ أو بالتفرّج على حزب الله بوصفه «متمرداً» على الدولة.
غير أن هذا التوصيف يتجاهل تعقيد موقع الحزب داخل النظام اللبناني، إذ يشكّل حالة خاصة تجاوزت حدود الفاعل السياسي التقليدي إلى امتلاك بنية عسكرية واجتماعية قائمة بذاتها، نشأت في سياق الصراع مع إسرائيل، وفي ظل عجز الدولة عن بلورة استراتيجية دفاع وطني فعّالة. ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال هذا الدور في سردية التمرد على الدولة، بقدر ما يعكس اختلالاً أعمق في وظيفة الدولة نفسها، التي اكتفت، ولا تزال، بخيارات دبلوماسية لم تمنع استمرار الاعتداءات على الجنوب ومعاناة سكانه.
وعليه، إن توصيف هذا الدور ضمن مفهوم «الدولة العميقة» يطرح إشكالية، لأن المفهوم في أصله يفترض وجود جهاز خفي داخل الدولة، لا فاعلاً علنياً يمتلك حضوراً سياسياً وشعبياً واضحاً، والإشكال لا يقتصر على هذا التوظيف السياسي، الذي يتجاهل أصلاً «سلطة عوكر» وإملاءات موظفيها على رؤوس السلطة في لبنان أو «توصيات» موفدي «الأشقاء العرب» لـ«أصدقائهم» اللبنانيين، بل يمتد إلى مستوى تعريف المفهوم ذاته، فعندما يُطرح السؤال على جعجع عمّا يقصد بـ«الدولة العميقة»، يستعيض عن التعريف بتكرار المصطلح نفسه، مفتقراً إلى أي مضمون تحليلي محدّد.
بنية الدولة
في هذا السياق، لا يمكن فهم السلطة بوصفها هرمية صلبة تقف خلفها بنية خفية موازية، بل بوصفها شبكة متعددة المراكز تتوزع فيها أدوات التأثير بين الدولة ومحيطها السياسي والاجتماعي. هذا النمط البنيوي يعني أن ما يُنظر إليه أحياناً كـ«نفوذ خفي» ليس سوى تعبير عن غياب مركز سيادي قادر على احتكار القرار، وليس عن وجود جهاز سري متماسك يعمل داخل الدولة.
كما أن هشاشة المؤسسات العامة وتداخل الصلاحيات بين المكونات السياسية والطائفية أدّيا إلى إنتاج نظام حكم ذا أوزان موزعة، بمعنى آخر تتقاسم فيه القوى المختلفة وظائف الدولة بدل أن تتمركز داخلها. وبهذا المعنى، تصبح الدولة إطاراً تنظيمياً لإدارة التوازنات أكثر منها سلطة احتكارية للقرار، ما يفقد فكرة «الدولة العميقة» شرطها البنيوي الأساسي: وجود دولة مركزية يمكن أن تنشأ داخلها سلطة موازية خفية.
وعليه، فإن إسقاط مفهوم «الدولة العميقة» على الحالة اللبنانية لا يقدّم تفسيراً دقيقاً لبنية السلطة، بل يعيد إنتاج قراءة تبسيطية لواقع يقوم أساساً على التعدد والتشظي لا على المركزية والخفاء، فما هي «الدولة العميقة» وكيف تستخدم في السياق اللبناني؟
مظاهر الدولة العميقة
ولا تقتصر «الدولة العميقة» على كونها شبكة نفوذ داخل مؤسسات الدولة، بل قد تتجاوز ذلك لتصبح بنية حكم موازية تُعيد تعريف الدولة نفسها من الداخل. فهي لا تعمل فقط عبر التأثير في القرار السياسي، بل عبر إعادة إنتاجه من خلال أدوات متعددة تشمل البيروقراطية والجهاز الأمني والنخب الاقتصادية وآليات التعيين الإداري، بما يسمح لها بالتحكم في مفاصل الدولة الحيوية دون الظهور العلني.
وفي بعض المقاربات، لا تُفهم «الدولة العميقة» بوصفها «دولة داخل الدولة»، بل بوصفها الدولة ذاتها حين تُختزل في شبكة مصالح متداخلة تمنح نفسها شرعية مستمدة من فكرة «حماية الدولة» و«الضرورة الأمنية»، بما يبرر استخدام أدوات استثنائية خارج الإطار القانوني التقليدي. ويرتبط هذا التصور بما يُعرف في بعض الأدبيات بـ«حالة الاستثناء»، حيث يتم تبرير الإجراءات غير العادية تحت ذريعة الأمن القومي، بما يحوّل الاستثناء من حالة مؤقتة إلى نمط حكم دائم.
غير أن النموذج الأكثر صلابة للمفهوم يتمحور حول التجربة التركية، التي تُعدّ من أبرز الحالات التي تشكّلت فيها بنية «الدولة العميقة»، حيث تتخذ الظاهرة طابعاً أمنياً – عسكرياً واضحاً، تتداخل فيه أجهزة الدولة مع شبكات غير رسمية، وتعمل أحياناً خارج القانون تحت عنوان حماية «المصلحة العليا».
هذا التباين بين النماذج يكشف أن «الدولة العميقة» ليس مفهوماً صلباً واحداً، بل إطاراً تفسيرياً يتخذ أشكالاً مختلفة بحسب طبيعة الدولة نفسها. فحيث توجد مؤسسات قوية ومتماسكة، يظهر المفهوم بوصفه توصيفاً لاستمرارية النفوذ داخلها، أما في الدول التي تعاني هشاشة بنيوية، كلبنان، فإن السؤال لا يعود عن «دولة عميقة» بقدر ما يصبح عن تعدد مراكز القوة وتداخلها.
المفهوم وحدوده النظرية
في الأدبيات المعاصرة، لا يشير مفهوم «الدولة العميقة» إلى كيان سري موحّد بقدر ما يعبّر عن تشابك معقّد بين مراكز نفوذ داخل الدولة وخارجها. فتُقدَّم «الدولة العميقة» في بنية السلطة في الولايات المتحدة كشبكة هجينة تجمع بين عناصر من الجهاز الحكومي ومصالح مالية وصناعية كبرى، قادرة على التأثير في القرار السياسي بمعزل عن المسار الديمقراطي الظاهر.
وقد ساهم صعود الشعبوية السياسية في إعادة تدوير المفهوم داخل المجال العام، بحيث أصبح يُستخدم لتفسير الصراع بين السلطة المنتخبة من جهة، وما يُنظر إليه كـ«مؤسسة حكم راسخة» من جهة أخرى. وارتبط هذا التحول أيضاً بانتشار واسع للاعتقاد بوجود «دولة عميقة» داخل المجتمع الأميركي، حيث تشير بعض الدراسات واستطلاعات الرأي إلى أن شريحة من المواطنين ترى أن القرار السياسي في واشنطن لا يُصاغ حصراً عبر المؤسسات المنتخبة، بل يتأثر بشبكات نفوذ غير مرئية.
تتشكّل «الدولة العميقة»، وفق هذا التصور، من حلقتين مترابطتين. الأولى، وهي الأساسية، تُكوّن النواة الصلبة لهذه البنية، وتنبثق من داخل بيروقراطية الدولة، وتضم مسؤولين غير منتخبين يعملون بوظائف دائمة، ويحتلّون مواقع مفصلية في المنظومة الإدارية – الأمنية، كوزارات الخارجية والدفاع والأمن الداخلي والعدل والمالية. ويُضاف إليهم مسؤولون من الوكالات والأجهزة التابعة لمنظومة الأمن القومي، والتي تضم عدداً كبيراً من المؤسسات المتخصصة، من بينها وكالة المخابرات المركزية، ووكالة الأمن القومي، ومكتب التحقيقات الفدرالي.
أما الحلقة الثانية، فتوسّع هذه النواة وتعزّزها عبر امتدادها داخل شبكة متشعّبة تخترق قطاعات حيوية في البلاد، لتُنتج نخبة متقاربة في الفكر والرؤية والتوجّه. وتضم هذه الحلقة سياسيين مخضرمين، حاليين وسابقين، وشخصيات مؤثرة في سوق المال وقطاع الأعمال، وخصوصاً من الشركات الكبرى المرتبطة بعقود مستمرة مع الحكومة، إضافة إلى حضور فاعل في مجالي الإعلام والثقافة، ورؤساء جامعات وأساتذة بارزين، وأعضاء في مراكز بحث وتحليل مرموقة.
وعليه، يتم توصيف الظاهرة باعتبارها «ازدواجية في بنية الحكم»، حيث تعمل المؤسسات المنتخبة كواجهة سياسية، بينما تتولى أجهزة بيروقراطية وأمنية دائمة توجيه السياسات الفعلية، ولا سيما في ملفات الأمن القومي.
في المحصلة، الأزمة في لبنان لا تكمن في وجود «دولة عميقة» بالمعنى الذي يريد جعجع ترويجه، بل في الإفلاس السياسي الذي يستدعي اقتباس مفاهيم نظرية معقّدة وإسقاطها عليه، وهو ما يرتب على زعيم القوات إعادة تأهيل خطابه أو ربما التحضير المسبق لإطلالاته الإعلامية والاطلاع على أسئلة المحاورين!
