في الدورة التاسعة والسبعين من «مهرجان كان السينمائي»، لا تبدو السينما هذا العام مساحة للهروب، بل مرآة لعالم متصدّع تتراكم فيه الحروب والأوبئة والعنف والرأسمالية المتوحشة. من توماس مان إلى المرض والشيخوخة والبيدوفيليا، تلاحق الأفلام هشاشة الإنسان المعاصر، فيما يتحوّل تعدّد اللغات والهويّات إلى صورة لعالم فقد مركزه واستقراره

الواقع مُريع ليس لأن ثمة كارثة واحدة يمكن تسميتها والإمساك بها، بل لأن ما نعيشه أشبه بطبقات متراكمة من العطب لا تنتهي. رأسمالية تلتهم كل شيء. أوبئة نفسية وجسدية باتت جزءاً من اليوميات. نظام أبوي يُعيد إنتاج نفسه بلا كلل. وتاريخ وحروب لا يكفّان عن تذكيرنا بأن ما نسمّيه «تقدماً» ليس في الغالب سوى إعادة تدوير لآلام أقدم منّا.

في هذا كله، تأتي أولى أفلام «مهرجان كان السينمائي الدولي» هذا العام لتُضيف طبقة أخرى، لا لتُطمئن، بل لتؤكد أن العالم نفسه هو المشكلة.

الأفلام الثلاثة التي نتوقف عندها هنا، تُصرّ على أننا نعيش في واقع منهك، وأن السينما حتى في لحظاتها الأكثر جمالاً، لا تستطيع ولا تريد إخفاء هشاشة الإنسان أمام ما يُفعل به وما يفعله بنفسه.

  • من «أرض الآباء» لبافيل بافليكوفسكي
    من «أرض الآباء» لبافيل بافليكوفسكي

لكن المدهش أنّ هذه الأفلام لا تكتفي بالتحرر من الوهم، بل تتحرر أيضاً من اللغة الواحدة. شخصياتها تتنقّل بين لغات كما لو أنها تتنقّل بين هويّات: ليا سيدو تتحدث الفرنسية والألمانية والإنكليزية في الفيلم نفسه، فيرجيني إيفيرا تتنقّل بين الفرنسية واليابانية، وساندرا هولر بين الألمانية والإنكليزية. هذا التعدد ليس تفصيلاً شكلياً. إنه صورة مصغّرة لعالم متشظ، بلا مركز، بلا لغة واحدة. عالم يُجبر أبطاله ومشاهديه على العيش في حالة عبور دائم، بين ثقافات وتواريخ ومخاوف لا تنتمي إلى مكان واحد.

توماس مان بين الألمانيتين

يحبّ «مهرجان كان» الأفلام التي تُمسك بالعالم من حوافه السياسية والفكرية من دون أن تتخلّى عن متعة الصورة. أفلام تجمع الوعي التاريخي والصرامة الجمالية من دون أن تسقط في أي منهما. «أرض الآباء» (Fatherland)، للبولندي بافيل بافليكوفسكي امتداد طبيعي لهذا التقليد: فيلم واسع النطاق، متقن الصنع، مشحون بأسئلة أوروبا التي لم تتعاف يوماً من تاريخها.

نحن في عام 1949 حيث ألمانيا منقسمة بين شرق وغرب، بين رأسمالية وشيوعية، بين رؤيتين للعالم تتصارعان فوق أرض واحدة لا تزال تحمل رائحة الحرب. في هذه اللحظة بالذات، لحظة تأسيس حلف شمال الأطلسي، ولحظة ما قبل الاستقرار وما بعد الدمار، يعود توماس مان (هانس زشلر) مؤلف «موت في البندقية» إلى ألمانيا بعد سنوات من المنفى الأميركي، وبعد جائزة «نوبل»، ليُلقي محاضرات في الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوته.

يبني بافليكوفسكي فيلمه على ركيزتين: الأولى، خطابات مان في فرانكفورت وفايمار، المدينتين اللتين تجسّدان ألمانيا الرأسمالية وألمانيا الشيوعية. والثانية، علاقته بابنته إريكا (ساندرا هولر). علاقة الأب وابنته، مع ظل مأساوي ثالث هو الابن كلاوس (أوغست ديل)، الذي يتحول في الفيلم إلى استعارة لألمانيا العاجزة عن التخلص من إرث النازية. «أرض الآباء» دراما عائلية كان يمكن أن تتفتح إلى فيلم آخر، أكثر حميمية وتعقيداً، لكن بافليكوفسكي يختار الإيجاز (88 دقيقة)، كما اختاره دائماً.

في الغرب يُتّهم أشهر كاتب ألماني، تشرّب أفكار غوته وفرويد ونيتشه وشوبنهاور، بالتعاطف مع الشيوعية. وفي الشرق يُعامل كأداة محتملة للدعاية السوفيتية. وفي أحد حوارات الفيلم الأكثر وضوحاً يعترف بأنه «بقايا برجوازية»، فيما تواجهه إريكا باتهام لا يقل قسوة، بأنّه نرجسي لا يرى إلا عظمة إرثه. رجل بين معسكرين لا يثق بأي منهما، يحمل قيماً لا يجد لها مكاناً في العالم الذي يجد نفسه فيه.

يصوغ بافليكوفسكي كل هذا بأدواته المألوفة، مع لقطات واسعة مهيبة، ودقة تكاد تكون معمارية، وأبيض وأسود يحمل من الظلال الكثير. «أرض الآباء» فيلم عن الماضي، لكنه في الوقت نفسه عن حاضر أوروبي لا يزال يعيش في صدى اللاعقلانية، عن قارة تحاول مثل توماس مان أن تعود إلى نفسها، من دون أن تعرف تماماً أي نفس تريد أن تستعيد.

هاماغوتشي بين الفلسفة والميلودراما

لا يسلك الياباني ريوسوكي هاماغوتشي الطريق الواضح. سينماه دائماً على حافة شيء غير مألوف، تتقدم بخطوات هادئة لكنها تقوّض ما نعرفه عن السرد، عن الحوار، عن العلاقة بين الفكرة والصورة.

وفي «فجأة» (Soudain) فيلمه المنافس على السعفة الذهبية، وأطول أفلام المسابقة (ثلاث ساعات وعشرون دقيقة)، يواجه تحدياً يكاد يكون مستحيلاً هو تحويل كتاب وثائقي قائم على مراسلات فلسفية وطبية (عشرون رسالة) بين فيلسوفة تعاني مرضاً عضالاً وأنثروبولوجية طبية، إلى فيلم روائي. النتيجة، كما في أعمال هاماغوتشي السابقة، ليست اقتباساً ناجحاً فحسب، بل عمل أصلي ونادر. لكن هذه الندرة تأتي بثمن: يحدث الفيلم انقساماً عمودياً حاداً، لا منطقة رمادية بينهما. من سيقع في غرامه، سيحبه بجنون، ومن سينفر منه سيكرهه بلا تردّد. لا وجود لحلّ وسط هنا، «فجأة» فيلم يطالبك إمّا بالاستسلام الكامل أو بالانسحاب.

  • من «فجأة» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي
    من «فجأة» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي

ماري لو (فيرجيني إيفيرا) مديرة دار رعاية للمسنين في ضواحي باريس تقرر تطبيق نظام جديد قائم على الإنصات والوقت والاحترام والصبر. نظام يبدو في عالم اليوم شبه ثوري. الرعاية هنا ليست علاجاً أو تغذية أو ترفيهاً، بل كرامة.

اقتراح يبدأ بنقد أخطائنا اليومية وينتهي، من دون مبالغة، برفض كامل لمنطق الرأسمالية. تلتقي بطلتنا في يوم من الأيام بماري (تاو أكاموتو)، مخرجة مسرحية يابانية في المرحلة الأخيرة من السرطان. تنشأ بينهما صداقة مترددة، ثم علاقة مبنية على الفضول والمواساة، وعلى محاولة اكتشاف طريقة جديدة لرؤية الذات والعالم.

على الورق، يبدو هذا ملخّصاً مبتذلاً. وربما هو كذلك. لا طبقات خفية، ولا سخرية تحمي الفيلم من عاطفيته، ولا مسافة نقدية تطمئن المشاهد. ثمة شيء من السذاجة، يتضخم في الجزء الثاني حين تتحول دار الرعاية إلى شبه مجتمع هيبي صغير، كأن الفيلم يختبر حدود اليوتوبيا. يبني هاماغوتشي فيلمه على النظرات. سينما شفافة، لا يتوقف فيها الحوار. فيلم تعليمي عاطفي ميلودرامي طويل متكرر، لكنه مؤثر بوعي كامل، إلى درجة أنك تجد نفسك تستسلم له وأنت تعرف أنك تستسلم، وإن لم تحبّ الفيلم.

شاركها.