«أنا لا أبغض العالم الذي أعيش فيه لكن أشعر بأنني متضامن مع الذين يتعذّبون فيه. إنّ مهمّتي ليست أن أغيِّر العالم، فأنا لم أُعطَ من الفضائل ما يسمح لي ببلوغ هذه الغاية، لكنّني أحاول أن أدافع عن بعض القِيَم التي من دونها تصبح الحياة غير جديرة بأن نحياها، ويصبح الإنسان غير جدير بالاحترام». – ألبير كامو

«لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، إنّه لأمر فظيع»… تدور أحداث مسرحية غودو العبثية لصموئيل بيكيت حول شخصَين فقيرَين ومتشرّدَين هما «فلاديمير» و«إستراجون». يقفان قرب شجرة في مكان مجهول، وينتظران شخصاً اسمه «غودو». لكنّ غودو لا يأتي أبداً. أثناء الانتظار يتحاوران في مواضيع متفرّقة أحياناً مضحكة وأحياناً فلسفية… يفكّران في الرحيل أو الانتحار لكنّهما لا يفعلان شيئاً، يمرّ بهما رجل اسمه «بوزو» وخادمه «لاكي»، وفي نهاية كل فصل يأتي طفل يخبرهما أنّ غودو لن يأتي اليوم بل غداً.
وتتكرَّر الأحداث تقريباً في الفصل الثاني، وكأنّ الزمن يدور في حلقة مفرغة؛ فلاديمير يمثل الجانب العقلي والتأمُّل الفلسفي، وأكثر وعياً بالزمن والانتظار. إستراجون يمثل الجانب الجسدي والمعاناة اليومية، سريع النسيان ومتعب دائمًا.. بوزو شخص متسلِّط يرمز للقوّة والاستبداد، لاكي خادم مطيع بشكل مأساوي، يرمز للعبودية وفقدان الإرادة. غودو الشخص الغائب طوال المسرحية، هو بطلها، وقد اختلف النُقاد في تفسيره: ربما يرمز إلى الله، أو الأمل، أو الخلاص، أو المعنى الذي يبحث عنه الإنسان من دون أن يجده.

فقدان المعنى
«في انتظار غودو»، إحدى أهم مسرحيات العبث وفقدان المعنى، الحياة تبدو بلا هدف واضح، والإنسان ينتظر شيئاً قد لا يأتي أبداً. الانتظار هنا رمز لحياة البشر: انتظار النجاح، السعادة، الموت، الخلاص، المستقبل، الفشل…
الأحداث تتكرَّر تقريباً من دون تغيير وغودو لا يأتي، ممّا يعكس ذلك رتابة الحياة وغموضها. في الوحدة والعلاقة الإنسانية – على رغم من معاناتهما – يبقى فلاديمير وإستراجون معاً لأنّ الإنسان يخاف الوحدة.
الحبكة غير موجودة وبطل المسرحية غير موجود والنهاية غير حاسمة. وهذا وحده يعكس فلسفة العبث المرتبطة بأزمة الإنسان بعد الحروب التي يعيشها. «لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، إنّه أمر فظيع». هذه العبارة تختصر فكرة الركود والانتظار العبثي… مسرحية في انتظار غودو ليست قصة تقليدية، بل تأمُّل فلسفي في وضع الإنسان: لماذا نعيش؟ ماذا ننتظر؟ وهل للحياة معنى حقيقي؟ وقد ترك بيكيت النهاية مفتوحة ليجعل القارئ أو المشاهد يفكر بنفسه من دون أن يصل إلى أي شيء.
العبثية هي نظرية فلسفية ترى أنّ الكون غير عقلاني وخالٍ من أي معنى أو غاية موضوعية. تنشأ «العبثية» من الصراع المستمر بين مَيل الإنسان الفطري إلى البحث عن المعنى والغاية، وبين استحالة إيجاد هذا المعنى في عالم أصَمّ لا مبالي. ولفهم هذا المفهوم بشكل أعمق، يمكن الإطلاع على الشروحات الفلسفية المتاحة في موسوعة «ويكيبيديا» أو قراءة المقالات المتخصِّصة في منصات مثل الأنطولوجيا.
يُعتبر الفيلسوف والروائي الفرنسي «ألبير كامو» الأب الروحي لهذا المذهب، خصوصاً من خلال مقالته الشهيرة «أسطورة سيزيف»، إذ يرى من خلالها أنّ الإنسان أشبه بـ«سيزيف» المحكوم بحمل الصخرة إلى القمّة لتتدحرج إلى الأسفل إلى الأبد. فالحياة بحدّ ذاتها عبثية، لكن يجب على الإنسان أن يتقبَّل هذا العبث ويتمرَّد عليه ويعيش حياته بشغف على رغم من غياب الهدف.
العبث لا يكمن في الإنسان وحده، ولا في العالم وحده، بل في تواجدهما معاً؛ فالإنسان يبحث عمّا ليس في الكون.
لذا يرفض كامو الانتحار أو الهروب نحو الدين والميتافيزيقا (القفزة الإيمانية)، ويرى أنّ الحل الوحيد هو الوعي بالعبث والتمرُّد عليه.
غياب المعنى المطلق يمنح الإنسان حرّية كاملة في ابتكار قيمه الخاصة وخلق السعادة الذاتية في حدود واقعه. العبثية، العدمية، والوجودية غالباً ما يتمّ الخلط بين هذه المفاهيم، لكن هناك فروقاً دقيقة بينها:
– العدمية تؤمن بأنّه لا يوجد معنى للحياة على الإطلاق، ولا قيمة لأي شيء.
– الوجودية تؤمن أنّ الحياة بلا معنى مسبق، لكن يمكن للإنسان خلق معنى خاص به من خلال أفعاله وإرادته.
– العبثية تقبل فكرة أنّ البحث عن المعنى هو أمر «عبثي»، وتدعو إلى العيش مع هذا التناقض بكرامة وتقبُّل.
كتب ميلان كونديرا في كتاب المحاورة يقول: «لَو أنّ المرء ليس مسؤولاً إلّا عن الأمور التي يعيها، لكانت الحماقات مبرّأة سلفاً عن كل إثم. لكنّ الإنسان ملزَم بالمعرفة. الإنسان مسؤول عن جهله. الجهل خطيئة».

شاركها.