لم تعد القيمة التجارية والتسويقية لكأس العالم مرتبطة بملكية حقوق البث أو الرعاية الرسمية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بقدرة اللاعبين على جذب الانتباه وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستقلة.

في هذا التقرير نرصد كيف يمكن لنجوم عالميين مثل ميسي ورونالدو صياغة النموذج الاقتصادي لكأس العالم، الذي ينظمه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).

ولنتأمل مثلا نتائج صورة النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي على حسابه الخاص وهو يحمل كأس العالم في دورة قطر 2022، وصورة ثانية له وهو يلعب الشطرنج مع غريمه البرتغالي كريستيانو رونالدو على حقيبة لويس فيتون نشرت بالتزامن على حسابي اللاعبين قبل فترة قليلة من بداية المونديال الماضي.

الصورتان لم تكونا عاديتين، بل كانتا لحظتين أطلقتا جرس إنذار للفيفا بأن مرحلة احتكار توليد القيمة من اهتمام المتابعين أو ما يعرف بـ”اقتصاد الانتباه” (تحويل الانتباه إلى سلعة تباع للشركات) قد ولّت، وأن عليه (أي فيفا) أن يجهز نفسه لمواجهة منافسة قوية بقيادة مشاهير اللاعبين، الذين باتوا يجنون مئات الملايين من الدولارات خارج رقعة الملعب من خلال تحويل أعداد متابعيهم وتفاعلاتهم على منصات التواصل إلى قوة تفاوضية مع الشركات المعلنة والرعاة.

ميسي ورنالدو يلعبان الشطرانج على حقيبة لويس فيتون المصدر من حساب كريستيانو على انستاغرام cristiano
ميسي ورونالدو يلعبان الشطرنج على حقيبة لويس فيتون (حساب رونالدو على إنستغرام )

لاعبون بحجم أسواق كبيرة

بلغة الأرقام حصدت الصورة الأولى لميسي على حساب إنستغرام 74 مليون إعجاب، وهو رقم تاريخي على هذه المنصة، كما أضافت له هذه الصورة 25 مليون متابع جديد.

أما صورته الثانية مع رونالدو، “ملك مواقع التواصل”، فحصدت 29 مليون إعجاب على حسابه في إنستغرام، مقابل 38 مليون إعجاب على حساب كريستياتو، وبمجموع 67 مليون تفاعل على الحسابين.

مثل هذه الأرقام وغيرها لنجوم آخرين غيرت نظرة الشركات المعلنة للفرص التي عليها اقتناصها لضمان أكبر قدر من الظهور لعلاماتها التجارية ومنتجاتها خارج ما تتيحه الملاعب وشاشات التلفاز ومنصات البث الأخرى.

فقد أصبحت بعض منشورات الرياضيين أكثر جذبا للانتباه العالمي من بث المباريات نفسها، في حين أصبح اللاعبون أصولا اقتصادية وكيانات مستقلة بذاتها ومراكز جذب عالمية، أما الشركات فأضحت حريصة على توقيع شراكة منفردة مع هؤلاء اللاعبين للوصول إلى أكبر قدر من الجمهور والاستفادة مما تتيحه منصاتهم وحساباتهم الخاصة.

ميسي وهو يحمل كأس العالم المصدر من حسابه على اسستغرام
صورة ميسي وهو يحتفل بحمل كأس العالم في نسخة قطر 2022 حصدت إعجاب الملايين (حساب ميسي على إنستغرام)

اقتصاد العلامة التجارية للرياضيين

يشير تقرير بعنوان “اقتصاد العلامة التجارية للرياضيين” أعدته شركة “إي إم دابليو غلوبل” (EMW GLOBAL) وشركة “إكس بلاس واي ماركتس إنتليجينس” (X+Y) إلى أنه في عصر المنصات الرقمية لم تعد القيمة التجارية والتسويقية في كرة القدم مرتبطة بملكية حقوق البث أو الرعاية الرسمية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بقدرة اللاعبين على جذب الانتباه وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستقلة.

ويضيف التقرير أنه رغم أن منافسات كأس العالم تخلق فرصة غير مسبوقة للعلامات التجارية، إلا أن طريقة توليد القيمة تشهد تحولا مهما (في الوقت الحالي)، “فلم يعد الاهتمام يتركز حصريا داخل منظومة البث والرعاية الرسمية، بل أصبح يتدفق بشكل متزايد عبر الرياضيين أنفسهم”.

لم يعد إذن خلق القيمة في البطولات الأخيرة يخضع لسيطرة أصحاب الحقوق حصريا، بل باتت هناك حالة تحول لمركز الثقل لصالح اللاعبين.

 

ويستكشف التقرير كيف يعمل الاهتمام (الانتباه) الذي يقوده الرياضيون على إعادة تشكيل منظومة كأس العالم وقيمته الاقتصادية والتجارية، فكل لحظة في هذا الحدث يمكن أن تترجم إلى ملايين المتابعين والتفاعل العالمي، وهذه التفاعلات بدورها يمكن أن تتحول إلى قيمة تجارية قابلة للقياس.

وفي حين لا يزال الرعاة الرسميون وشركات البث تشكل مركز النموذج الاقتصادي لكأس العالم بالنسبة للفيفا، حتى مع كأس العالم 2026، إلا أن التوسع في المنصات الرقمية غيّر كيفية تفاعل الجماهير مع الحدث.

وفيما تم بيع حزم الرعاية العالمية الخاصة بالفيفا كلها، باتت العلامات التجارية بحاجة إلى إيجاد فرصة جديدة لتعظيم ظهورها في البطولة، كما يضيف التقرير.

Soccer Football - FIFA World Cup 2026 - Portugal Training - The Gardens North County District Park, Palm Beach Gardens, Florida, U.S. - June 13, 2026 Portugal's Cristiano Ronaldo during training REUTERS/Marco Bello
كريستيانو رونالدو يتابعه نحو مليار في حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز)

ومن بين الفرص التي تبدو للشركات في هذا الصدد تلك التي تتيحها منصات وحسابات اللاعبين الذين يتمتعون بجماهرية أكبر وتفاعل واسع على مواقع التواصل، فقد تحولوا -وفق تعبير التقرير- إلى كيانات إعلامية عالمية قادرة على إثارة انتباه أكبر للمتابعين وخلق قيمة تجارية هائلة من خلال منصاتهم الخاصة.

ولتوضيح هذه الصورة أكثر تكشف بيانات رصدتها منصة ماركتينغ فور إيكوميرس” marketing 4 ecoomerce ما يلي:

  • يبلغ عدد متابعي البرتغالي كريستيانو رونالدو 939 مليون متابع على مواقع التواصل (دون احتساب متابعي قناته على يوتيوب ومنصات أخرى صينية).
  • يبلغ العدد عند النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي 622 مليون متابع (على إنستغرام وفيسبوك فقط).
  • يليهما النجم البرازيلي نيمار بـ384 مليون متابع.
  • ثم النجم الفرنسي كيليان مبابي بنحو 155 مليون متابع.

هؤلاء اللاعبون الأربعة -الذين شكلوا واجهة كرة القدم في العقد الأخير- يستحوذون على نحو 37% من عالم مواقع التواصل الذي يصل عدد الحسابات فيه 5.66 مليارات حساب، أي ما يوازي 68.7% من سكان العالم.

France's forward #10 Kylian Mbappe takes part in a training session during the 2026 World Cup football tournament at Bentley University in Waltham, Boston on June 11, 2026. (Photo by FRANCK FIFE / AFP)
النجم الفرنسي كيليان مبابي يتابع نحو 155 مليون حساباته بمواقع التواصل (الفرنسية)

إيرادات خارج رقعة الملعب

ولفهم مزيد من دينامية اللاعبين باعتبارهم كيانات تجارية مستقلة ومراكز جذب للانتباه، تشير بيانات مجلة فوربس إلى أن:

  • ميسي يحصل على  70 مليون دولار سنويا خارج رقعة الملعب.
  • رونالدو يحصد سنويا نحو 65 مليون دولار.
  • مبابي يجني 30 مليون دولار.
  • نيمار يجني 28 مليون دولار.
  • محمد صلاح يجني 20 مليون دولار.
  • هالاند يجني أيضا 20 مليون دولار.

وتشمل إيرادات اللاعبين خارج الملعب مداخيل مواقع التواصل وصفقات الرعاية وحقوق الصورة وعقود سفراء العلامات التجارية.

Soccer Football - FIFA World Cup 2026 - Egypt Training - University of Washington, Seattle, Washington, U.S. - June 14, 2026 Egypt's Mohamed Salah with teammates during training IMAGN IMAGES via Reuters/Blake Dahlin
نحو  100 مليون متابع للنجم المصري محمد صلاح على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز)

ويبدو من خلال هذه المعطيات أن بنية “اقتصاد الانتباه” لم تعد متمركزة حول الفيفا وشركائه من المعلنين والرعاة وأصحاب حقوق البث، بل ظهرت أطراف أخرى تتقاسم هذه البنية، وفي مقدمتهم لاعبو كرة القدم والمؤثرون والجماهير نفسها.

تراجع العائد التجاري للمباراة الواحدة

على الجانب الآخر تظهر بيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم أن الاتحاد يتوقع جني 13 مليار دولار في الفترة 2023- 2026، منها 8.9 مليار دولار في عام مونديال الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، بارتفاع 72% عن الدورة السابقة 2019-2022.

لكن هذه الأرقام ترتبط بعدد المباريات الذي ارتفع إلى 104 مباريات بعد رفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخبا مقابل 32 منتخبا في نسخة قطر 2022.

وتتوزع إيرادات 2026 وفق التالي:

  • حقوق البث التلفزيوني المساهم الأكبر: 3.92 مليارات دولارا، بحصة إجمالية قدرها 44%.
  • حقوق الضيافة ومبيعات التذاكر: 3 مليارات دولار وبحصة (34%).
  • حقوق الرعاية والتسويق: 1.7 مليار دولار وبحصة 20%.
  • حقوق التراخيص: 89 مليون دولار، وبحصة 1%.
  • الإيرادات والدخول الأخرى: 89 مليون دولار، وبحصة 1%.
HARRISON, NEW JERSEY - JUNE 07: Erling Haaland of Norway reacts during the international friendly match between Morocco and Norway at Red Bull Arena on June 07, 2026 in Harrison, New Jersey. Vincent Carchietta/Getty Images/AFP (Photo by Vincent Carchietta / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP)
وفق مجلة فوربس يجني هالاند نحو 20 مليون دولار خارج الملعب (الفرنسية)

وتظهر هذه البيانات أن حقوق البث لا تزال تشكل مركز النموذج الاقتصادي لكأس العالم، لكن حصتها تقلصت لفائدة حقوق الضيافة ومبيعات التذاكر التي باتت تشكل 34% من إيرادات البطولة لتصعد لأول مرة للمرتبة الثانية كأكبر مصدر للدخل بالنسبة للفيفا وتزيح بذلك إيرادات التسويق والرعاية التي تراجعت حصتها إلى 20%.

كما تظهر أن نمو حصة حقوق البث وحقوق الرعاية تباطآ في هذه النسخة مقارنة بالنسخ السابقة رغم الارتفاع الكبير لعدد المباريات، مقابل ارتفاع حصة بيع التذاكر وحقوق الضيافة.

فقد تراجعت حصة حقوق البث من 48.3% في نسخة قطر إلى 44% في النسخة الحالية، وانخفضت حصة حقوق الرعاية من 24% إلى 20% بين النسختين، بينما قفزت حصة بيع التذاكر وحقوق الضيافة من متوسط 12.5% منذ نسخة البرازيل 2014 إلى 34% في نسخة 2026.

ويعكس هذا التراجع -إلى حد بعيد- انخفاضا في مستوى الجاذبية التجارية للمباريات:

  • فقد تراجع عائد البث من المباراة الواحدة إلى 37 مليون دولار في النسخة الحالية مقابل 46.2 مليون دولار في نسخة قطر 2022.
  • تراجع عائد الرعاية من المباراة الواحدة إلى 16.34 مليون دولار في نسخة 2026 مقابل 17.9 مليون دولار في نسخة 2022.
  • قفز عائد التذاكر والضيافة من المباراة الواحدة إلى 28.8 مليون دولار حاليا مقابل 14.5 مليون دولار في نسخة قطر 2022.
    TOPSHOT - Brazil's forward #10 Neymar gestures during a warm up ahead of the 2026 World Cup Group C football match between Brazil and Morocco at the New York/New Jersey Stadium in East Rutherford on June 13, 2026. (Photo by Mauro PIMENTEL / AFP)
    نيمار يحتل المرتبة الرابعة في قائمة إيرادات لاعبي كرة القدم خارج الملعب (الفرنسية)

تشتيت التأثير التجاري

يضيف تقرير المركز العالمي لأبحاث الإعلانات بعدا آخر لتغيّر البنية الاقتصادية لبطولة كأس العالم 2026، فرغم أن هذا الحدث الرياضي يتوقع له أن يضيف 10.5 مليار دولار إلى سوق الإعلانات العالمية في الربع الذي تقام فيه البطولة، إلا أن هذا التأثير التجاري آخذ في التراجع، فلن يمثل سوى زيادة بـ1.1% مقارنة بالسنوات التي لا تقام فيها البطولة، وهذا مع احتساب التضخم.

إعلان

كما أن هذا الرقم يبقى بعيدا عن ذلك المسجل في مونديال روسيا 2018، إذ بلغ الإنفاق الإعلاني الإضافي 12.6 مليار دولار.

ويرى التقرير أن هذا التراجع يلمح إلى تحولات أعمق في عادات المشاهدين وما ارتبط بذلك من “تجزئة أنماط البث والنظام البيئي الإعلامي الواسع”.

ويربط التقرير تباطؤ هذا التأثير التجاري بكون “المعلنين لم يعودوا يتنافسون ضمن مساحة تجارية واحدة، بل بات يتعين عليهم التفاعل مع المشجعين عبر نقاط تواصل متنوعة تتجاوز حقوق البث التلفزيوني التقليدية.

وبحسب التقرير لم يعد كأس العالم يقتصر على المباريات المباشرة فحسب، بل إن العلامات التجارية ستتفاعل مع المشجعين عبر نقاط مختلفة قبل المباريات وأثناءها وبعد انتهائها.

وستشمل الخطط الإعلامية للمعلنين -وفق التقرير- منصات أخرى تستفيد من النقاش الدائر حول كأس العالم دون تحمل عبء المزايدة على حقوق البث، مثل المحتوى الذي يصنعه المؤثرون، والبودكاست عبر منصات التواصل المختلفة.

ورغم الارتفاع الكبير لمتابعي كأس العالم، إذ بلغت المشاهدات التراكمية في مونديال 2022 نحو 5 مليارات مشاهدة، مقابل توقعات بـ6 مليارات في نسخة 2026، في حين شاهد 2.87 مليار شخص دقيقة واحدة على الأقل في مونديال قطر، إلا أن التقرير تحدث عن تراجع الوصول إلى التلفزيون التقليدي بـ11.9% مقارنة بمونديال روسيا 2018.

ميسي يحصل على  70 مليون دولار سنويا خارج رقعة الملعب (رويترز)

ما الذي بقي؟ .. اقتصاد التجرية

هكذا يبدو أن ما يمكن أن نصفه بتجزئة “اقتصاد الانتباه” بين الفيفا وشركائها واللاعبين والمؤثرين من جهة، وتراجع حصة عائدات البث من جهة أخرى قد يفسران مساعي الاتحاد الدولي لكرة القدم نحو خلق نموذج اقتصادي كفيل بمواجهة هذه التحديات، يركز على تعظيم عائدات التذاكر والضيافة، دون أن يعني ذلك التفريط في عائدات البث وعائدات الرعاية رغم ارتفاع مستوى التنافسية بدخول اللاعبين والمؤثرين.

ففي هذه النسخة رفعت الفيفا أسعار التذاكر إلى مستويات عالية أثارت انتقادات الكثيرين بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بينما برر الفيفا ذلك الارتفاع الكبير بدخول سوق أمريكا الشمالية التي تتمتع بقدرة شرائية أكبر، ورغبة لدى الشركات والمؤسسات وحتى الأفراد بخوض تجربة أكثر تميزا على صعيد متابعة المباريات.

هذا الرفع في أسعار التذاكر يعكس محاولة الفيفا التمركز حول “اقتصاد التجربة” (المشجع بات يبحث عن تجربة استثنائية تفاعلية وليس حجز مقعد في الملعب) الذي يملك السيطرة الكاملة عليه، أي تعظيم العائدات من التجربة الحية للمباريات نفسها التي لا تملك قنوات البث أو المنصات الرقمية أو اللاعبون أو المؤثرون أن يكسروا احتكار الفيفا لها.

لكن المخاوف التي تثار على هذا الصعيد هي هل سيصمد هذا النموذج الهجين (يجمع بين التركيز على تجربة المباراة وعائدات البث والرعاية) في النسخ المقبلة، إذ تتراجع مستويات القدرة الشرائية في البلدان المستضيفة مقارنة بأمريكا الشمالية؟.

المصدر: محمد القزاز -الجزيرة
شاركها.