تؤكد انتخابات «حماس» أن شرعيتها تنبع من المقاومة لا من رضا الأنظمة العربية، وأن مرونتها السياسية لا تعني التفريط بالسلاح أو الاعتذار عن «طوفان الأقصى».
لا شكّ في أن لحركة «حماس» كارهين في الوطن العربي، وهم من تيّارات عدة. وفي المدة الأخيرة، تكاثرت جمهرة النقّاد والمراجعين والمداخلين والمتدخّلين، الذين يريدون للحركة، بجناحَيها السياسي والعسكري، أن تعيد ترتيب أوراقها بما يشبه الاعتذار عن «طوفان الأقصى». وهؤلاء طيف واسع: من الحريصين والمحبّين إلى الشامتين والمتآمرين؛ وبين الفريقَين مثقّفون اعتادوا أن يتعالوا على الحركات الإسلامية بدعوى عدم جدارتها السياسية والحاجة إلى تلقينها الدروس لإنقاذها من نفسها.
لماذا هناك كارهون لـ«حماس»؟ الإجابة في داخل فلسطين سهلة؛ إذ إن الحركة قطب من أقطاب الانقسام، ومارست الحكم لعشرين عاماً بما يؤثّر على حياة الملايين، ولديها موقعها العقدي، وكلّ ذلك يخلق تناقضات اجتماعية وسياسية لا تخفى في المعتاد، وهي مواقف سيّالة تتبدّل بحسب الظروف. أمّا لماذا الكارهون في الوطن العربي؟ فليست الإجابة في أن النظام الاستبدادي العربي يكره مَن يمارس ديمقراطية الانتخابات تنظيمياً ووطنياً، ولا في أنه يكره الحركات الإسلامية و«الإخوانية». بالفعل، قد تكون الحركة مزعجة في نموذجها، في ديمقراطيتها كما في إسلاميتها، لكن الأمرَين ممّا يمكن التعايش معه إذا ما خدم التموضع السياسي لهذه الأنظمة، ولم يكن من النوع الذي يهدّد استقرار هذا التموضع، فيما «شرعيّة» حماس في الشارعَين العربي والإسلامي تنبع من مكان آخر: من كونها ببساطة حركة مقاومة فاعلة لا ترتهن إلا لمشروعها.
ما معنى هذا؟ أو ما العلاقة بين تركيبة الحركة وتموضعها السياسي؟ لا يخفى أن «حماس» تَجمع مراكز قوى تتمثّل بشكل رئيس في: جناحها العسكري المقاوم، وجناحها الدعوي، وجناحها السياسي. والأجنحة الثلاثة تتفاعل مع «الأمّة» ضمن دوائر ثلاث أساسية: محور المقاومة، الأنظمة العربية، والقوى الإسلامية. لقد عبّد خيار المقاومة لدى حركة «حماس»، من أواخر الثمانينيات وصولاً إلى «طوفان الأقصى»، الطريق لأن تكون الحركة حركة «إسلام وطني» تحسم وجهتها بما يقتضيه الاستحقاق الفلسطيني. وهذه الوجهة، التي كانت الحركة في العقود الماضية ولّادة للقيادات والبرامج على مقاسها لا العكس، هي ما يعيد ترتيب العلاقات والخطاب والفعل على مقاس فلسطين، وهي التي تعيد في كلّ مرّة ترتيب فاعلية مراكز القوى إذا ما أظهر استحقاق سياسي تنازعاً بينها. رؤية «حماس»، كانت ولا تزال، أن تتكامل تلك المراكز، وأن يوظَّف كلّ عمق يمكن أن يخدم المشروع، وألّا يؤخذ قرار أو يَصدر موقف تخسر به الحركة عمقها أو مصادر إسنادها.
لا ترتّب «حماس» مشروعها على مقاس الواقع السياسي العربي، ولا تأخذ شرعيتها منه
لقد سال حبر كثير حول التحوّلات التي عصفت بـ«حماس»، من حكم القطاع عام 2006 إلى تأثير الحروب والاغتيالات وتأثير الموقف من سوريا والانتفاضات العربية، لكن يمكن أن يؤرَّخ لعام 2017 بأنه كان مفصلياً في مسار الحركة. ففي ذلك العام، انتُخب الشهيد يحيى السنوار لقيادة الحركة في قطاع غزة خلفاً للشهيد إسماعيل هنية، وأصدرت «حماس» وثيقة المبادئ والسياسات العامة؛ وفي أواخر العام نفسه أيضاً، اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل إيذاناً بدعم استراتيجية اليمين الإسرائيلي في «الحسم» وتجاوز القضية الفلسطينية تأسيساً لمسار الاتفاقيات الإبراهيمية. منذ تلك السنة الفيصل، أخذت حماس مكانها كرأس حربة الأمّة في مواجهة الهجمة الصهيونية المتجدّدة، عبر تصميمها على الإعداد العسكري على أرض فلسطين التاريخية ومواجهة مشاريع التصفية والتطبيع؛ وذلك على عكس ما قرأه البعض في وثيقة المبادئ من أنها مؤشّر على منعطف تسووي واحد، لا مناورة سياسية بين عدّة مناورات. وقد كان الحامل لهذا المسار، غزة: الأرض المحرَّرة والأكثر جماهيرية للحركة، وحيث نمت «كتائب القسام» لتُناظر «جيشاً فلسطينياً»، وحيث تحظى «حماس» بحكم القطاع ولو تحت الحصار.
إذاً، هو مسار يتعارض مع ما ارتضته الأنظمة العربية: يحرج الساكت، ويفضح المطبّع، ويسحب شرعية المتحالف مع الصهاينة. تفعل «حماس» ذلك -إذ تتمسّك بموقف المقاومة وفعلها- بتأثير أكبر من تأثير الآخرين، وهو ما يُعزى تحديداً إلى كونها حركة فلسطينية على أرض فلسطين، وأيضاً إلى شرعية أخرى تحظى بها تنبع من كونها حركة إسلامية «سنّية» مقاومة، ويتعذّر تصويرها كملحق بدولة إيران. رغم كلّ ما تقدّم، تراعي الحركة، في المقابل، الأنظمة العربية والإسلامية، وتتجنّب عداوتها من منطلق أنها تحمل مسؤولية القضية الفلسطينية. وهذه مهمّة تزداد صعوبتها كلّما ازداد ضغط الموقفَين الأميركي والإسرائيلي، إلى حدّ أن الحركة قد لا تجد مأوى عربياً لقيادتها في القريب.
أمّا انتخابات الحركة أمس، فتقول إن «حماس» باقية على طبيعتها كتنظيم مقاوم يتداول السلطة، وينتج قيادات للشعب الفلسطيني ولتيار المقاومة في المنطقة، وأن ما يحسم موقفها وانتخاباتها هو كلمة أبنائها، من دون أن تتخلّى عن تنوعها المؤسّسي ومرونتها السياسية، طالما لا يعني أيّ من ذلك تفريطاً بمشروع المقاومة وسلاحها الذي يحظى بإجماع تياراتها. وهذه المرونة يتقلّص هامشها شيئاً فشيئاً، لكنها تبقى لتثبيت الحجة على الجميع، ومفادها أن الحركة صاحبة قضية، ويمكن أن تفعل أيّ شيء يخدم صالح فلسطين وشعبها. أمّا «الحمساويون»، فيجُمعون على أن ما يخدم تلك المصلحة الآن هو ردّ الجميل لمكان صغير، لكنه بحجم أمّة، اسمه غزة… ذلك السرّ الذي يقف وراء كلّ شيء.
لا ترتّب «حماس» مشروعها على مقاس الواقع السياسي العربي، ولا تأخذ شرعيتها منه بل تسبقه وتتجاوزه من دون أن تعاديه، بينما ما تحتاجه الأمّة هو أن تعيد ترتيب نفسها على مقاس الحركة… نعم، على مقاس «حماس».
