تناولت «الأخبار»، في نهاية الشهر الماضي، في مقال مفصّل، الإشكالية القانونية الناجمة عن قرار محافظ بعلبك ـ الهرمل بشير خضر تعيين منسّق بين المحافظة والجمعيات العاملة ضمن نطاقها، وما يترتّب على هذا القرار من تأثير في الصلاحيات التي تمنحها القوانين للبلديات المنتخبة. وقد أعدّ المحافظ ردّاً على المقال، علماً أن لغطاً أثير حول طريقة تناول الملف، ومحاولات لخلط الإشكالية الناجمة عن القرار بادعاءات تتعلّق باستخدام وسائل الإعلام لأغراض شخصية. وتنشر «الأخبار» في ما يلي ردّ المحافظ، وتعليق الزميل وفيق قانصوه، بصفته مدير تحرير «الأخبار».
◄ رد المحافظ
تعليقاً على ما نشرته «الأخبار» (الخميس 30 تموز 2026) بعنوان: «برسم وزير الداخلية: محافظ بعلبك – الهرمل يسطو على صلاحيات البلديات!»، رد المحافظ بشير خضر في بيان علّل فيه قراره تكليف منسّق بين محافظة بعلبك – الهرمل والجمعيات العاملة ضمن نطاقها، موضحاً ما يلي:
أولاً: جاء القرار استجابة لشكاوى ومراجعات متكررة وردت من عدد من البلديات والمواطنين، بشأن عدم تكافؤ الفرص في توزيع بعض المساعدات (خصوصاً الحصص الغذائية)، وعدم وصولها إلى الأسر الأكثر حاجة، إضافة إلى شكاوى من بلديات صغيرة بقيت خارج إطار الاستفادة من المشاريع الإنمائية بسبب ضعف تواصلها مع الجهات المانحة. وقد طلب عدد من رؤساء البلديات أنفسهم تدخل المحافظ لتنظيم هذا الملف وضمان العدالة بين البلدات.
ثانياً: المهمة المكلَّف بها الشخص المعني هي تنسيقية بحتة وتطوعية بالكامل: لا تنشئ وظيفة عامة، ولا يتقاضى عنها أي راتب أو تعويض من المال العام، ولا تخوّله أي صلاحية تقريرية أو تنفيذية أو رقابية على البلديات أو الجمعيات. ودوره يقتصر على تسهيل التواصل وجمع المعلومات ورصد الشكاوى ورفع تقارير للمحافظ، وهو تكليف قابل للتعديل أو الإلغاء بأي وقت، ما ينفي تماماً وصفه بـ«مركز وظيفي جديد».
ثالثاً: يستند القرار إلى صلاحيات المحافظ التنظيمية والرقابية بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959، التي تخوّله متابعة حسن سير العمل الإداري والتنسيق بين الجهات الرسمية والجمعيات لتحقيق المصلحة العامة، دون أي مساس باستقلالية البلديات التي تبقى، من دون استثناء، الشريك الأساسي في تحديد حاجاتها وأولوياتها.
رابعاً: توصيف القرار في المقال بـ«اختراع مركز وظيفي» أو «سطو على الصلاحيات» لا يستند إلى واقع القرار ولا إلى أي أثر مالي أو إداري فعلي، بل يعكس التباساً في فهم طبيعة تكليف تنسيقي محدود الغاية والأثر.
خامساً: لا بد من الإشارة إلى أن كاتب المقال هو عضو بأحد مجالس البلديات، وله إشكالية شخصية سابقة مع الموظف المكلّف بمهمة التنسيق، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى حيادية التغطية وموضوعيتها.
◄ رد على الرد
إلى المحافظ خضر: فلنعد إلى القانون
لا بد أولاً من تصحيح التباس ورد في بيان محافظ بعلبك – الهرمل بشير خضر، رداً على ما نُشر في «الأخبار» في 30 تموز الماضي، إذ أوحى البيان بأنني كاتب المقال (وهو أمر غير صحيح)، على خلفية صفتي نائباً لرئيس بلدية الهرمل ومديراً لتحرير «الأخبار» في آن.
وهذا الجمع بين الموقعين بات يُستخدم، بصورة متكررة، للخلط بينهما، فيما هما منفصلان تماماً، لكل منهما وظيفته ومسؤوليته، ولا يصح الخلط بينهما كلما طُرح نقاش يتعلق بالشأن العام، وهو أمر في صميم العملين الصحافي والبلدي. أما القول بوجود «إشكالية شخصية سابقة» مع الشخص الذي كلّفه المحافظ التنسيق مع جمعيات المجتمع المدني، فهو ادعاء غير صحيح.
فلا معرفة سابقة تجمعني به، ولم يسبق أن كانت بيننا أي مشكلة. بل على العكس، أكنّ له كل الاحترام، وهو شأنه شأن كثيرين من أبناء الشباب الهرملي، يتمتع بالكفاءة، ولا علاقة لشخصه، من قريب أو بعيد، بالأمر. ومن المهم توضيح أن لا المقال السابق، ولا هذا الرد، مصوّبان بأي شكل من الأشكال عليه. ومن هنا، فإن الإيحاء بوجود خلاف شخصي معه لا يخدمه ولا يخدم المحافظة، بل من شأنه نقل نقاش قانوني وإداري إلى مستوى شخصي، واستثارة حساسيات لا علاقة لها بالموضوع.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن المادة 10 من المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959 نصت على أن المحافظ يتولى «حفظ النظام والأمن وصيانة الحرية الشخصية وحرمة الملكية الخاصة». وعليه، يفترض به أن يراعي هذا الدور، وأن يتجنب إدخال عناصر غير ضرورية في النقاش العام، ولا سيما تلك التي قد تفتح الباب أمام حساسيات لا علاقة لها بأصل الخلاف. فالمسؤول عن حفظ النظام والأمن يفترض أن يكون الأكثر حرصاً على عدم تحويل خلاف حول مشروعية قرار إداري إلى خلاف بين أشخاص.
لذلك، كان أولى بالمحافظ أن يجيب عن التساؤلات القانونية، وهو ما لم يفعله في بيانه الركيك، بل ضمّنه تناقضاً واضحاً، وفق آراء خبراء قانونيين كبار. ففيما يؤكد أن المكلّف يؤدي مهمة «تطوعية» لا تنشئ وظيفة عامة، يعود البيان نفسه، في بنده الخامس، ليصفه بأنه «الموظف المكلّف بمهمة التنسيق». والسؤال بسيط: إذا كان موظفاً، فما هي صفته الإدارية وموقعه في الملاك؟ وإذا لم يكن موظفاً، كيف تمنحه المحافظة هذه الصفة في بيان رسمي؟ وهذا ليس مجرد تناقض لغوي، لأن تحديد الصفة القانونية يرتبط مباشرة بالصلاحيات والمسؤولية والمساءلة.
من الناحية القانونية، ينص المرسوم نفسه على أن للمحافظ صلاحيات واسعة، لكنها محددة بطبيعتها وحدودها. فالمادة 8 تنص على أنه يسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة والتعليمات العامة، وله اتخاذ التدابير التي تؤدي إلى «تنسيق العمل بين مختلف الدوائر». وهذا النص يكرّس صلاحيته في التنسيق الإداري بين الدوائر، لكنه لا يقول إن له إنشاء جهاز موازٍ أو استحداث وسيط إداري بين البلديات والجمعيات، أو إسناد أعمال ذات طبيعة إدارية إلى شخص من خارج الجهاز الإداري من دون تحديد مركزه القانوني. والفارق هنا جوهري: التنسيق بين الدوائر شيء، وإنشاء قناة إدارية جديدة بين أشخاص معنويين مستقلين والغير شيء آخر. وتؤكد المواد الأخرى هذا المعنى.
فالمادة 9 تعطي المحافظ مهمة مراقبة الأوضاع السياسية والاقتصادية وإطلاع وزارة الداخلية عليها، والمادة 24 تلزمه بتنظيم تقارير عن حال المحافظة وإرسال مقترحاته إلى الإدارات المركزية المختصة، وهي صلاحيات في الرصد والمتابعة والاقتراح ورفع التقارير، وليست تفويضاً مفتوحاً باستحداث آليات إدارية غير منصوص عليها. وفي المادة 20، عندما أراد المشترع منح المحافظ صلاحيات إشراف مباشرة في مجال محدد، فعل ذلك صراحة، فنص على إشرافه على الدوائر الزراعية وعلى مراقبة الجمعيات النقابية للمياه واللجان المكلفة إدارة المشاريع ذات المنفعة العامة. وهذا بحد ذاته دليل على أن الاختصاص لا يُفترض ولا يُستنتج بصورة مطلقة من عبارة «التنسيق»، بل يحدده القانون صراحة عندما يريد إعطاء المحافظ سلطة مباشرة على جهة أو هيئة معينة.
والأهم هو في المادة 21 التي تنص على أن المحافظ يمارس، بالإضافة إلى صلاحياته الخاصة، الصلاحيات التي توكلها إليه الوزارات، وله في الظروف الطارئة القيام بالمهام «التي لا تدخل في صلاحيات أي إدارة أخرى». وهذه العبارة تحديداً تحسم جانباً مهماً من النقاش، لأن الأعمال المتعلقة بتحديد حاجات البلدات وأولوياتها والمشاريع المحلية والمساعدات الاجتماعية والتعاون مع الجمعيات ليست مهام بلا صاحب اختصاص حتى يتولاها المحافظ. فقانون البلديات، الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 118/1977، أعطى المجالس البلدية في المادة 49 اختصاصات صريحة، وأجازت المادة 50 للمجلس البلدي أن ينشئ أو يدير بالذات مجموعة واسعة من المشاريع، وذهبت المادة 51 أبعد من ذلك عندما نصت على أنه عند عدم موافقة المجلس البلدي وإصرار السلطة المختصة على اتخاذ تدبير مخالف، يُعرض الموضوع على مجلس الوزراء عن طريق الوزير المختص. ولذلك، عندما يكون القانون قد أناط بالبلدية صلاحيات مباشرة في هذه المجالات، لا يمكن الاستناد إلى الاستثناء الوارد في المادة 21 والمتعلق حصراً بالمهام التي «لا تدخل في صلاحيات أي إدارة أخرى»، لأننا هنا أمام اختصاص بلدي قائم بنص صريح.
أما القول إن القرار جاء استجابة لشكاوى من مواطنين وبلديات ورؤساء بلديات بشأن سوء توزيع بعض المساعدات وعدم تكافؤ الفرص في المشاريع، فقد يبرر الحاجة إلى تدخل تنسيقي من المحافظة، لكنه لا ينشئ اختصاصاً جديداً. فالاختصاص الإداري مصدره القانون، لا طلب أصحاب العلاقة، وطلب بلدية من المحافظ مساعدتها أو التنسيق معها لا يعني تنازلها عن صلاحياتها، ولا يحول المحافظة إلى مرجع أصيل لإدارة علاقة البلدية بالجمعيات والجهات المانحة، ولا يجيز تعميم آلية جديدة على سائر البلديات لمجرد أن بعضها طلب المساعدة.
بالطبع، يستطيع المحافظ، بل من واجبه، أن يجمع رؤساء البلديات والجهات المعنية، وأن ينسق بين الدوائر الواقعة ضمن صلاحياته، وأن يطلب المعلومات ويرفع التقارير والاقتراحات إلى وزارة الداخلية والوزارات المختصة، وأن يساعد في إزالة العقبات الإدارية، وتسهيل التواصل بين البلديات والجمعيات متى كان ذلك طوعياً ولا ينال من اختصاصات المجالس البلدية. لكن هذا مختلف تماماً عن تكليف أحد بمهام تشمل «متابعة شؤون الجمعيات»، و«التنسيق معها ومع البلديات»، و«تسهيل العمل الإداري»، و«دراسة الحاجات»، و«متابعة تنفيذ المشاريع»، و«رصد الشكاوى»، و«إعداد تقارير دورية ورفعها إلى المحافظ».
وهذه مجموعة أعمال تتصل بالإدارة والمتابعة وجمع المعلومات وتقييم الحاجات ومراقبة مسار المشاريع. ولا يكفي وصفها بأنها «تطوعية» لتجاوز الأسئلة المتعلقة بالصفة والاختصاص والمسؤولية والمساءلة. فإذا كان المكلّف، كما يقول البيان، لا يتمتع بأي صلاحية تقريرية أو تنفيذية أو رقابية، فما القيمة الإدارية لدراسته الحاجات ومتابعته المشاريع ورصده الشكاوى ورفعه التقارير إلى المحافظ؟ وإذا كانت لهذه التقارير والمتابعات آثار على قرارات المحافظة أو تحديد الأولويات أو علاقتها بالبلديات والجمعيات، فنحن أمام دور إداري فعلي ينبغي تحديد أساسه القانوني ومسؤولية من يمارسه. كما أن المادة 22 من المرسوم الاشتراعي 116/1959 توجب على المحافظ إطلاع وزارة الداخلية على القضايا التي تكون من صلاحية سائر الوزارات، والمادة 21 نفسها تجعل ما يمارسه من صلاحيات الوزارات مرتبطاً بما توكله إليه تلك الوزارات، بما يؤكد مجدداً أن صلاحية التنسيق لا يمكن تحويلها إلى مصدر مفتوح لاختصاص غير محدد.
أما قول البيان إن البلديات «تبقى الشريك الأساسي في تحديد حاجاتها وأولوياتها»، فهو توصيف لا يعكس المركز القانوني الحقيقي للبلدية. فالبلدية ليست مجرد «شريك» للمحافظة، بل شخص معنوي عام يتمتع بالاستقلال المالي والإداري ويمارس اختصاصات منحه إياها القانون. وبالتالي، ليس المطلوب إبقاؤها «شريكاً أساسياً»، بل احترام اختصاصها وعدم استحداث قناة موازية يمكن أن تتحول في الممارسة إلى وسيط بينها وبين الجمعيات والجهات المانحة. كما أن إشارة البيان إلى أن المقال «لا يستند إلى واقع القرار» لا يحسم شيئاً، لأن البيان نفسه يقر بوجود القرار وبالمهام الأساسية محل الاعتراض: متابعة الجمعيات والبلديات، وجمع المعلومات، ودراسة الحاجات، ورصد الشكاوى، ومتابعة المشاريع، ورفع التقارير إلى المحافظ. وبالتالي فإن الخلاف الحقيقي ليس على وجود هذه المهام، وإنما على وصفها القانوني وحدودها والسند الذي يجيز إسنادها بهذه الطريقة.
وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بشخص المكلّف، ولا بمواجهة مع المحافظ، ولا باعتراض على تنظيم المساعدات وضمان عدالة توزيعها. بل إن المحافظة مدعوة إلى تأدية دور فاعل في التنسيق ومساعدة البلديات ومعالجة أوجه الخلل. لكن القانون يميز بين التنسيق وبين الحلول محل أصحاب الاختصاص أو إنشاء قناة إدارية جديدة بينهم وبين الغير.
إذا كانت المحافظة واثقة من سلامة القرار، فالأجدى أن تنشر نصه كاملاً وسنده القانوني وتعلم به وزارة الداخلية والهيئات الرقابية، وأن تحدد صفة المكلّف وحدود مهمته وآلية مساءلته، بدلاً من نقل النقاش إلى «إشكالية شخصية» في مسألة قانونية. حماية صلاحيات البلديات ليست مواجهة مع المحافظة، والاعتراض على قرار إداري ليس خصومة مع الشخص المكلّف. والقرارات الإدارية، أياً كان مصدرها والغاية الحسنة التي تقف خلفها، تبقى محكومة بمبدأ واحد واضح: الاختصاص لا يُفترض، ولا تنشئه الحاجة أو حسن النية، وإنما يُستمد من القانون ويُمارس ضمن حدوده.
وفيق قانصوه-الأخبار
