دعوة إلى إنشاء نقابة لمدققي اللغة العربية وإصلاح التعليم الجامعي
لا أزال، بعد مرور أكثر من خمسة وعشرين عامًا على ممارستي التدقيق اللغوي، أجد أخطاءً لغويةً لم أكن ملتفتًا لها من قبل، أو تصلني ملاحظات من أصدقاء إلى وجوب الانتباه إلى كلمة ما عبرت دون أن أعرف وجه الخطأ في استعمالها. لذلك، قد يجد بعض القرّاء خطًا أو أكثر في هذا النص، وأرجو مراسلتي حوله.
في زمننا هذا تواجه اللغة العربية تحديًا حقيقيًا يتجاوز الأخطاء الإملائية أو الهفوات النحوية التي يرتكبها الكتّاب والمحرّرون والناشطون في وسائل التواصل الاجتماعي. فالمشكلة اليوم لم تعد في خطأ عابر هنا أو هناك، بل في حالة من الفوضى المهنية التي طالت مهنة التدقيق اللغوي نفسها، حتى باتت النصوص تُنشر في الصحف والمواقع والكتب من دون مراجعة حقيقية تضمن سلامتها وجودتها.
لقد أصبح من الشائع أن يعلن كثيرون عن أنفسهم بوصفهم «مدققين لغويين»، على الرغم من غياب المؤهلات العلمي المنهجي الخبرة المتخصصة التي تخوّلهم ممارسة هذه المهنة الدقيقة. وفي ظل غياب إطار مهني واضح، ومعايير اعتماد رسمية، تحولت عملية التدقيق في بعض البيئات إلى نشاط غير منظم، يخضع للاجتهادات الفردية أكثر مما يخضع للعلم والمعايير.
نشير هنا إلى أن مهنة التدقيق اللغوي لا تُكتسَب بشهادة جامعية، ولا حتى بدكتوراه في الأدب العربي، لأنها تقوم على تراكم خبرات ومهارات لا تدرَّس في الجامعات، ولذلك قد نجد مدققي لغويين لا يمتلكون إجازة جامعية، أو لا يمتلكون إجازة أقل من الجامعية، لكنهم ماهرون وحاذقون في ممارسة التدقيق اللغوي.
والتدقيق اللغوي ليس عملًا شكليًا أو ثانويًا، بل هو علم تطبيقي يجمع بين النحو والصرف والإملاء والأسلوب والدلالة، ويتطلب فهمًا عميقًا وواسعًا للّغة وسياق النص وغاياته. فالمُدقّق الحقيقي ليس مجرد مصحّح أخطاء، بل عليه أن يكون ذا ثقافة عالية على الأقل في مواضيع النصوص التي يقوم بتدقيقها، فلا يوجد، مثلًا، خليفة لقبه «المستخفي بالله»، إنما الصحيح هو «المستكفي بالله»، والمستشار الألماني ليس رئيس الجمهورية، بل هو رئيس الحكومة. وبالتالي، فالمدقق اللغوي شريك في إنتاج النص، يحافظ على فكر الكاتب ويعيد صياغته في قالب لغوي سليم وواضح ودقيق.
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء نقابة أو هيئة مهنية مستقلة لمدققي اللغة العربية، تتولى تنظيم هذه المهنة، ووضع معايير واضحة للانتساب إليها، وإجراء اختبارات علمية ومهنية تمنح من يجتازها اعتمادًا رسميًا لمزاولة العمل. ويمكن لهذه النقابة، أيضًا، أن تضع ميثاقًا أخلاقيًا ينظم العلاقة بين المدقق والكاتب والناشر، ويضمن احترام النصوص وعدم التلاعب بمضامينها، إلى جانب توفير برامج تدريب وتأهيل مستمرة تواكب تطور اللغة وأساليب الكتابة الحديثة.
إن وجود إطار نقابي من هذا النوع لن يكون لصالح المدققين وحدهم، بل هو ضرورة تمسّ منظومة النشر بأكملها. فالكاتب سيحصل على خدمة مهنية موثوقة، ودور النشر ستضمن جودة ما تصدره، والقارئ سيتلقى محتوى أكثر دقة ورصانة، بينما تُحمى اللغة العربية نفسها من التدهور التدريجي في الاستخدام العام.
ولا تقتصر المشكلة على غياب التنظيم المهني، بل تمتد أيضًا إلى النظرة السائدة لدى بعض المؤسسات الإعلامية والثقافية التي ترى أن التدقيق اللغوي مرحلة هامشية يمكن الاستغناء عنها أو تقليصها لتوفير الوقت والتكاليف، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انتشار الأخطاء وتراجع مستوى النصوص وفقدان الثقة بالمحتوى العربي المكتوب.
أصبح من الشائع أن يعلن كثيرون عن أنفسهم بوصفهم «مدققين لغويين» على الرغم من غياب المؤهلات العلمي المنهجي الخبرة المتخصصة التي تخوّلهم ممارسة هذه المهنة الدقيقة
وفي المقابل، لا يمكن بناء نهضة لغوية حقيقية دون إصلاح جذري يبدأ من المؤسسات التعليمية نفسها، ولا سيما معاهد الدراسات العليا -الماجستير والدكتوراه وفي الحقوق والعلوم الإنسانية والاجتماعية. فمن غير المنطقي أن يُعدّ باحث في العلوم الإنسانية أطروحة علمية قد تمتد إلى مئات الصفحات دون أن يكون قد تلقى تدريبًا كافيًا على الكتابة الأكاديمية السليمة، أو دون أن يمتلك الحد الأدنى من أدوات التعبير اللغوي المنضبط.
لذلك، تبرز ضرورة أن تعتمد هذه المعاهد مادة إلزامية في اللغة العربية الأكاديمية، تُعنى بأسس الكتابة العلمية، وقواعد الصياغة، ومهارات التحرير، والتدقيق اللغوي، بما يضمن إعداد باحثين قادرين على التعبير عن أفكارهم بلغة سليمة وواضحة. فإتقان اللغة ليس مسألة شكلية، بل هو جزء أساسي من جودة البحث العلمي ومصداقيته.
أيضًا، يُستحسن أن تعتمد الجامعات -ولعل بعضها يقوم بذلك- نظام مراجعة لغوية إلزاميًا للرسائل والأطروحات قبل إجازتها النهائية، على يد مدققين لغويين معتمدين، بما يضمن أن تصدر الأعمال الأكاديمية بمستوى لغوي يليق بالمؤسسات العلمية، ويحفظ مكانة اللغة العربية بوصفها لغة بحث ومعرفة، لا مجرد وسيلة تعبير يومي.
إن حماية اللغة العربية لا يمكن أن تتحقق عبر الشعارات وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات وتنظيم ومهنية. ومن هنا فإن إنشاء نقابة لمدققي اللغة العربية، إلى جانب إصلاح مناهج الكتابة في التعليم العالي، يمثلان خطوتين متكاملتين في طريق واحد: طريق إعادة الاعتبار للغة، وحماية النص العربي من الفوضى، وصون الكلمة من العبث.
فاللغة لا تُحمى بالنوايا، بل تُحمى بالاحتراف، وحماية اللغة تبدأ من حماية من يحرسونها.
تكثر الكتب والاجتهادات في ما يخص الأخطاء الشائعة، لذلك، وتسهيلًا لعمل المدققين اللغويين، يمكن الركون إلى آراء علماء اللغة العربية واجتهاداتهم، تشبّهًا بما هو الأمر عليه في موضوع تقليد المرجع الأعلى فقهيًّا لدى الشيعة، فإن أفتى عالم لغة أو مجمع لغة عربية بصحة كتابة «ينبغي على»، مثلًا، كما يصح القول «ينبغي إلى»، أو صحة كتابة «بعضهم البعض» كما هو صحيح القول «بعضهم بعضًا» أمكن للمدقق الاختيار بين القولين.
