يتشبّث “حزب الله” بإشعال شرارات العمليات المتقطعة في جنوب لبنان، رافضاً منطق التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل.

على عادته السياسية، لا يكلّ “حزب الله” عن تخوين الحكومة اللبنانية ورئاسة الجمهورية، رافضاً مقرّرات حكوميّة منها حظر أنشطته الأمنية والعسكرية والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ويبقى أداؤه السياسيّ على حاله، مترجّحاً بين الانتقاد المقذع للسلطة وطلب الشراكة الوطنيّة معها.

وإذ يرى الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم أنّ “مواقف الحزب تنطلق من رؤية تقوم على الشراكة الوطنية والتعايش بين مختلف المكوّنات اللبنانية”، يطلب المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان “الإنقاذ الوطنيّ”، ولكن في اعتقاده أن “لا إنقاذ بلا توافق وشراكة وإلفة وطنية”، بحسب رسالته إلى رئيس الجمهورية جوزف عون. كما يطلب “الحفاظ على الشراكة الإسلامية المسيحية”.

 

تجارب

لكنّ تجارب “حزب الله” السابقة حافلة بعدم أخذه بمنطق “الشراكة الوطنية”، وهذا ما استمرّ على مرّ سنوات، ولا يزال قائماً، رغم مناداة قاسم بشعار “الشراكة الوطنية” في خطبه الحديثة في العام الحاليّ.
ولا حاجة إلى التذكير بخوضه حرب 2006 من دون مشاورة الحكومة اللبنانية أو قرار منها، ثم اجتياحه بيروت في حوادث أيار 2008 رفضاً للامتثال وتصدّياً لتنفيذ قرارين حكوميين لبنانيين. وبعدما جلس النائب محمد رعد مشاركاً في طاولة الحوار الوطنيّ، وموافقاً على ما نتج منها في “إعلان بعبدا” عام 2012، أحبط الحزب تنفيذ الإعلان بقتاله في سوريا دفاعاً عن نظام بشار الأسد ضدّ الثورة السورية.

ماذا أيضاً في الثُغَر التي وسّعت الهوّة بين “حزب الله” ومنطق الدولة؟

استضاف “حزب الله” معارضين عرباً في الضاحية الجنوبية لبيروت طوال سنوات، بمن فيهم بحرينيون ويمنيون وسعوديون، وساعد في تنظيم مؤتمرات داخل لبنان متحدّياً السلطات اللبنانية الرسمية.
ومن الأمثلة، بعدما منعت الحكومة اللبنانية عام 2022 معارضين بحرينيين من تنظيم نشاطين في بيروت، لإساءتهما إلى السلطات البحرينية ودول الخليج العربيّ وعرقلتهما الجهود الرسمية المبذولة لتعزيز العلاقات مع دول الخليج، عقد اللقاء مع جمعية “الوفاق” في منطقة الغبيري.
في الإستراتيجيا، لم يستشر “حزب الله” السلطات اللبنانية الرسمية عندما قرّر خوض معركة “إسناد” قطاع غزة بدءاً من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وأبقى على انتزاعه قرار السلم والحرب من الدولة حينذاك، بحجة التضامن مع غزة.
في الداخل اللبنانيّ، تحدّى القوانين وقرار الدولة اللبنانية، فأضاء صخرة الروشة في أيلول/سبتمبر 2025، بصورة كلّ من الأمينين العامين السابقين السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين، في ذكرى اغتيالهما، رغم أنّ الجمعية القريبة من الحزب لم تحصل على ترخيص لإضاءة الصخرة، إنما لحشد تجمّع في منطقة الروشة.
إلى “إسناد” النظام الإيراني، انتزع الحزب قراراً استراتيجياً فقرّر افتتاح جولة حرب في آذار/مارس من العام الحاليّ 2026، مستهدفاً بصلية صواريخ وسرب مسيرات موقعاً عسكرياً إسرائيلياً جنوب مدينة حيفا. واعتبر أنّ إطلاق الصواريخ والمسيرات جاء “ثأراً لاغتيال إسرائيل المرشد الإيراني علي خامنئي ودفاعاً عن لبنان وشعبه، كما في إطار الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة”.
لا يحترم “حزب الله” أسس أي شراكة ولا يمتثل لقرارات السلطات اللبنانية، ويبقى على مطالبته بالشراكة. ولا يزال يتشبّث بإشعال شرارات العمليات المتقطعة في جنوب لبنان، رافضاً منطق التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل. ورغم كلّ ما أصابه، يبدو على استعداد لجولات حربيّة أخرى بتأثير من النظام الإيرانيّ في جنوب لبنان.
شاركها.