جاد طعمه- الأخبار

صدر قرار المجلس الدستوري بالأمس، وفصل في جوهر الإشكالية الدستورية التي أثيرت حول قانون تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية.

القرار، في مجمل مضمونه، جاء متوافقاً مع روح الدستور ونصوصه، إذ قرّر المجلس إبطال ما كان يمكن أن يُفسّر على أنه تدبير فردي أو استثنائي، وأبقى على الجوهر التنظيمي للقانون والمتمثل بتحديد ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة.

قرار المجلس الدستوري جاء حاسماً، يضع الأمور في نصابها الدستوري والقانوني، ويعيد الاعتبار لقاعدة أساسية في العمل الدستوري مفادها: أنَ التشريع العام يبقى صحيحاً ما دام ينطبق على الجميع بصورة مجردة ودون تمييز.

محافظة على المبادئ ودحض للخلط المتعمد

قرار المجلس الدستوري بالتعديل الجزئي للقانون وليس بإبطاله كاملاً، يمثل نموذجاً حضارياً في التعامل مع النصوص التشريعية، فقد أحسن المجلس في اتخاذ هذا القرار لأنه حافظ على المبادئ الدستورية التي لا يجوز الحياد عنها في أي دولة قانون.

فالمجلس، بإبطاله للفقرة الاستثنائية وإبقائه على القاعدة العامة، منع الخلط المتعمد بين ما هو نص خاص فردي وما هو نص عام ومجرد. هذه ليست مجرد دقة قانونية، بل هي جوهر العدالة الدستورية ذاتها، إذ تقوم فكرة الدولة القانونية على أن يكون التشريع معياراً موضوعياً ينطبق على جميع من تنطبق عليهم شروطه، لا أداة بيد فريق لتمرير مكاسب آنية أو تسويات ضيقة.

كان قرار المجلس الدستوري محطة فارقة أعادت الأمور إلى نصابها، ورسّخت أن الرقابة الدستورية ليست ساحة لتسجيل المواقف أو تصفية الحسابات، بل هي آلية موضوعية لضمان بقاء القاعدة القانونية في إطارها العام والتجريدي، وحمايةً لمبدأ المساواة من أي اختراق تشريعي مهما كانت حججه أو مبرراته.

محاولة التذاكي أفشلها المجلس الدستوري

النص الذي أقره المجلس النيابي في يوم الجلسة التشريعية، تضمّن تمديداً لولاية الرئيس الحالي لمدة ستة أشهر مع حفظ حقه بالترشح. هذه الفقرة، التي أبطلها المجلس الدستوري، لم تكن أكثر من محاولة للمناورة التشريعية، إذ حاول الفريق الطاعن نفسه فرض تسوية داخل المجلس النيابي للخروج أمام الرأي العام بموقف المنتصر.

لكن ما كان مطلوباً حقاً في الصيغة الأولى من مقترح القانون التعديلي كان يقترح بما يتوافق مع الدستور، مجرد السماح بفتح امكانية الترشح لولاية اضافية لرئيس الجامعة اللبنانية، ولم يكن الهدف إطلاقاً فرض تمديد استثنائي يخلق ميزة غير مبررة.

متى تستكمل مؤسسة الجامعة اللبنانية تشكيل مجلس الجامعة وفق الأصول القانونية؟

أما تأليف مجلس الجامعة وهو مطلب حق ومشروع، فالمجال الطبيعي للضغط والممارسة السياسية في هذا الشأن يبقى داخل مجلس الوزراء، حيث تمثّل الكتل النيابية نفسها التي تقدمت بالطعن.

وكأن كتلة النواب التي طعنت بالقانون أمام المجلس الدستوري، صححت الأخطاء التشريعية التي فرضتها هي نفسها في المجلس النيابي يوم إقرار القانون لذا لا بد من التنويه بالنواب الطاعنين لأنهم بعد التنبه لمخالفات دستورية جاءت في لحظات متسرعة قاموا بتصحيح أخطائهم التشريعية.

وجوب تشكيل مجلس الجامعة

غير بعيد عن المعركة التشريعية التي انشغلت بها الأوساط السياسية والقانونية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: متى تستكمل مؤسسة الجامعة اللبنانية تشكيل مجلس الجامعة وفق الأصول القانونية؟

فالقاعدة الإدارية والدستورية واضحة وصلاحية التعيين النهائي من مهام مجلس الوزراء. هذه المسألة ليست شكلية، بل ضرورة مؤسساتية، لأن غياب مجلس الجامعة منذ سنوات كبّل الإدارة الجامعية وأرهقها، وألقى بأعباء إدارية إضافية على وزيرة التربية والتعليم العالي، ومن المفيد لا من الضروري عودة صلاحية اتخاذ القرار الى المؤسسة الجامعية التي يفترض أن تكون ساحة للحوار الأكاديمي.

اليوم، وبعد أن حسم المجلس الدستوري الموقف وأعاد الأمور إلى نصابها، لا بد السعيّ الجدي لتشكيل مجلس الجامعة وفق الآليات الدستورية والقانونية، ذلك أن استقرار الجامعة واستمراريتها تتوقف على إعادة تفعيل هيئاتها الأكاديمية، وهذا يتطلب تحركاً سريعاً وجاداً من الجهات المعنية في السلطة التنفيذية، كلّ في موقعه الدستوري، لإنجاز هذا الاستحقاق الذي طال انتظاره.

إن تشكيل مجلس الجامعة اليوم ليس مكسباً لفريق على آخر، بل هو استعادة للدور الطبيعي للمؤسسة الوطنية التي تتسع الجميع وتتقدم بالتعاضد الايجابي.

العودة إلى الانتظام العام

بعد أن استُنفذت سبل الطعن وآلياته الدستورية، وحسم المجلس الدستوري الموقف، حان وقت العودة إلى الانتظام العام. فلا يجوز أن تتحول الجامعة اللبنانية، وهي المؤسسة العامة الأم التي تحضن جميع أبنائها بروح العائلة الواحدة، إلى ساحة دائمة للخصومة السياسية، فثمة عام جامعي على أبواب الانطلاق وهو يحتاج إلى الاستقرار الاداري والنفسي للكادر الأكاديمي والاداري لتحقيق مصلحة الطلاب أنفسهم.

الجامعة اللبنانية ليست ملك حكومة ولا كتلة نيابية ولا فريق سياسي. إنها جامعة الوطن، ومن حق الجميع أن ينتقدوها عملا بمبادئ حرية الرأي والتعبير طالما أن النقد يأتي موضوعيا وبهدف الاصلاح، لكن من واجب الجميع أيضاً أن يحافظوا على هيبتها واستقرارها الإداري والأكاديمي.

المجلس الدستوري، بإبطاله للفقرة الاستثنائية التي حاول البعض فرضها كتسوية ضيقة، أعاد الأمور إلى نصابها القانوني والدستوري، مؤكداً على صوابية التعديل الأساسي الجوهري، وأعطى الشرعية للقاعدة العامة المتعلقة بولاية الرئيس وإمكانية ترشحه لولاية ثانية.

معاً… إلى العمل المنتج

الآن، وقد هدأت العواصف واستقر الموقف الدستوري، يجب الاتجاه جماعياً نحو العمل المنتج مع بداية العام الدراسي الجديد، ليكون جميع أصحاب الحرص على الجامعة الوطنية صفاً واحداً متراصاً، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي تهدم الهياكل الوطنية، ووضع هموم الطلاب وتحصيلهم العلمي في مقدمة الأولويات.

الجامعة اللبنانية تستحق منا جميعاً، إداريين وأساتذة وطلاباً ونواباً ووزراء، أن نعمل بروح الفريق الواحد وأن نلتزم بالأنظمة والقوانين، وأن نحافظ على هيبة المؤسسة العامة التي هي عنوان الدولة ذاتها.

فلا دولة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا هيبة، ولا هيبة بلا احترام للقانون.

شاركها.