وسائل التواصل تفتح أمام الأهل باباً إلى أساليب التربية الحديثة، لكنها تفرض أيضاً نموذجاً لـ«التربية المثالية» قد يحوّل النصائح إلى ضغط ومقارنة وشعور دائم بالتقصير.

تحوّلت التربية في «عصر السوشيال ميديا» من مجرّد تجربة عائلية تبدأ مع ولادة الطفل، إلى رحلة تترافق معها مجموعة من النصائح والمعلومات التي تلاحق الأهل منذ السنوات الأولى. «الريلز» تأكل عقول الأمهات والآباء، فيديوهات لا تنتهي عن كيفية التعامل مع الطفل، من الثياب، إلى نوعية الحفاضات، ووضيعة الرضاعة المثلى. ما يُسمح به وما يُفضّل تجنّبه، كيفية تنمية مهارات مولود جديد، والأنشطة التي يُفترض أن يشارك فيها، وصولًا إلى تفاصيل تبدو أحيانًا وكأنها ترسم للأهل نموذجًا متكاملًا عن «التربية المثالية».
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المؤثرون والمؤثرات، أو ما يعرف بـ«الانفلونسر»، شركاء مع الأهل في التربية، فدخلوا بمحتواهم إلى عمق الحياة العائلية، وأتاح إدمان «السكرولينغ» للمؤثرين والمؤثرات فرض أنماط من التصرفات على الأهل، وبشكل مباشر أو غير مباشر. وهنا تتزاحم مجموعة من الأسئلة في رأس كلّ أم وأب، مثلاً، من الذي منح بعض الأساليب التربوية صفة الأفضلية، في مقابل تصوير أساليب أخرى على أنها قديمة أو رجعية؟ وهل يمكن أصلًا التعامل مع جميع الأطفال وفق القواعد نفسها؟ وهل تتشابه ظروف الأهل وقدراتهم ومواردهم؟
من هنا، لا يمكن وضع جميع الصفحات المتخصصة في تربية الأطفال في خانة واحدة. فبعضها يقدّم معلومات مفيدة تساعد الأهل في الوصول إلى موارد لم تكن متاحة لهم بسهولة في السابق. لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز هذه المحتويات حدود النصيحة لتتحول إلى قواعد صارمة، تشعر الاهل بالتقصير في حال عدم تطبيقها كما يجب.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المؤثرون والمؤثرات، أو ما يعرف بـ«الانفلونسر»، شركاء مع الأهل في التربية

الأم تحت الضغط

بين الاستفادة والضغط، يجد الأهل أنفسهم أمام اتجاهين متناقضين في التعامل مع محتوى التربية على السوشال ميديا. مثلا تصف سارة عطوي، وهي أم لطفلين، «السوشيال ميديا» على أنّها «دمار شامل للأم والولد»، وتقول «أنا بصير إبكي بالليل وبقول أنا إم مش منيحة»، جراء الضغط الذي تشعر به نتيجة متابعة بعض المحتويات المتعلقة بالتربية. من جهتها، تشاركها ريان سويدان، وهي أم لطفلين، هذا الشعور، معتبرة أن «بعض الصفحات تتناول التربية بطريقة مثالية بعيدة عن الواقع، ما يُشعر الأمّ بأنها أم فاشلة بالتربية وما عم تعمل كل شي لأولادها». لكنّ سويدان لا تنفي وجود بعض الصفحات التي تقدّم معلومات جيدة، وتناقش التربية من منطلق أكثر واقعية إلا انها أقل حضورا على المنصات.
على المقلب الآخر تجد مروة شرّي، أن أسلوب تخيير الطفل الذي شاهدته على السوشال ميديا نجح في ضبط طفلها في بعض الحالات، حين رفض على سبيل المثال ارتداء الحذاء خيّرته قائلة «بدك تلبس؟ او بدك تضل بالبيت؟» لينتهي الأمر بارتداء الحذاء بكل سلاسة، لذلك تشير شرّي إلى أنها تأخذ من السوشال ميديا «الأشياء يلي بحسها ح تفيدني».
ما رأي علم النفس؟
بالنسبة إلى وجهة النظر المتخصصة، يرى الباحث في علم النفس الاجتماعي، عباس حدرج، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم مخاطرها، ساهمت في إتاحة المعرفة وتعميم الوصول إلى المعلومات، بما فيها تلك المرتبطة بالتربية الحديثة، مشيراً إلى أن جزءً من هذا المحتوى ساهم في نشر مقاربات تربوية تقوم على «الانتقال من محورية الأهل إلى محورية الطفل بما يشمل رعاية الجوانب الجسدية والنفسية في آن واحد».
في السياق نفسه، يتوافق هذا الرأي مع ما يشير إليه، مستشار العلاقات والتواصل الزوجي والأسري، راشد شهاب الدين الذي أكّد على مساهمة السوشال ميديا، في تصحيح بعض الممارسات التي كانت شائعة في أساليب التربية القديمة، لكن الاستفادة من هذا التحول برأيه، لا يعني تبنّي كل ما تقدمه المنصات بصورة حرفية، بل إنّ الأمر يرتبط بوعي الأهل وقدرتهم على التعامل مع ما يصلهم من معلومات. ومن هنا، يشدد شهاب الدين، على ضرورة ألا تتحول النصائح المنشورة عبر المنصات إلى مصدر إضافي للضغط أو الشعور بالذنب، داعيًا الأهل، ولا سيما الأمهات، إلى «عدم تحميل أنفسهم ذنب عدم قدرة التماشي مع ما تعرضه السوشال ميديا»، مشيرًا إلى أن قناعة الأهل بظروف معيشتهم وقدرتهم على التعامل معها «تنعكس بشكل مباشر على الأبناء».
وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد وسّعت مصادر المعرفة والتوجيه التربوي، فإن تأثيرها يمتد أيضًا إلى الطريقة التي يُنظر من خلالها إلى احتياجات الطفل ووسائل نموّه، ومن أبرزها الأنشطة والورش المتخصصة التي باتت تُقدَّم كجزء من التربية الحديثة.
وفي هذا السياق يرى حدرج، الباحث في علم النفس الاجتماعي، أهمية إتاحة المجال أمام الطفل لتنمية مهاراته من خلال المشاركة في مراكز وورش متخصصة، مشددا على «ضرورة حسن الاختيار». فهذه المراكز، بحسب رأيه، «يمكن أن تساهم في تطوير مهارات الطفل المعرفية والسلوكية، في حين توفر الطبيعة مساحة مختلفة لتنمية مهاراته الجسدية والسلوكية، ما يجعل التجربتين مكملتين لبعضهما البعض».

الطفل يتعلم ويكتسب المهارات

لكن وضع هذه الأنشطة ضمن مسار التربية الحديثة لا يعني أن كثرتها أو استمراريتها تشكّل شرطًا لنمو الطفل، لذلك تشير غادة أسعد، أستاذة علم النفس التربوي في الجامعة اللبنانية، إلى أنّ «الطفل ليس بحاجة إلى أن يكون مشغول ومحفز كل الوقت حتى ينمو بشكل جيد»، مؤكدة أن الأطفال «باستطاعتهم تطوير مجموعة هائلة من المهارات الموجودة عندهم من خلال حياتهم اليومية، الطبخ، التسوق، اللعب، ترتيب الغرفة..». وبذلك، لا ترتبط تنمية الطفل بالضرورة بكثرة الأنشطة التي تقدمها له الأسرة، بقدر ما ترتبط بقدرته على التعلم واكتساب المهارات من تفاصيل حياته اليومية.
تعتبر أسعد، أنّ «وسائل التواصل تعتبر سيف ذو حدّين، فهي تعدّ أداة جيدة لتصحيح الممارسات التربوية التقليدية، وفي الوقت ذاته قد تكون أداة لأخطاء تربوية جديدة»، لافتة إلى مشكلة أساسية تفرضها منصات السوشال ميديا، تتمثل في عرض نماذج تربوية منتقاة من أسر أخرى، بما يدفع الأهل إلى مقارنة حياتهم اليومية بمشاهد رقمية «لا نعرف مدى صحتها».هذه المقارنة، بحسب رأيها، لا تبقى محصورة في تقييم أسلوب التربية، بل قد تتحول إلى حكم على الأهل أنفسهم، الأمر الذي «ينقل سؤال الأهل من ماذا يحتاج طفلي؟ إلى أنا أم مش منيحة أو أب مش منيح». وبذلك، يصبح التركيز على الصورة التي يفترض أن تبدو عليها الأسرة، بدلًا من الإصغاء إلى احتياجات الطفل الفعلية وظروفه الخاصة.

بينما فتحت السوشال ميديا أمام الأهل بابًا واسعًا إلى المعرفة والمقاربات التربوية الحديثة، وضعتهم في المقابل أمام سيل من النصائح والنماذج التي قد تتحول إلى ضغط ومقارنة وشعور بالتقصير. وبين الاستفادة من هذه المنصات والتحذير من تحويل محتواها إلى قواعد للتربية، يبقى وعي الأهل في اختيار ما يتناسب مع أطفالهم وظروفهم عاملًا أساسيًا، خصوصًا مع تعدد مصادر التوجيه التربوي. فهل تكون السوشال ميديا أداة تساعد الأهل على فهم أطفالهم، أم تتحول إلى معيار جديد يحاكمون أنفسهم وأبناءهم من خلاله؟

شاركها.