نُقلت الرسالة إلى القائد الذي كان يتولّى آنذاك قيادة جميع القوات الأميركية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط الأوسع. وقد نُقلت عبر وسيط، وجاءت من الجنرال الغامض الذي كان يتولّى قيادة القوات الإيرانية الخارجية غير النظامية، لكنّه خاطب القائد الأميركي، الجنرال ديفيد بترايوس، كما لو أنّه ندّ له، قائلاً: «الجنرال بترايوس، عليك أن تعلم أنّني، قاسم سليماني، أتحكّم في سياسة إيران حيال العراق، وكذلك حيال سوريا ولبنان وغزة وأفغانستان». وكانت تلك، كما روى الجنرال بترايوس، وأكّد في رسالة إلكترونية حديثة، محاولة إيرانية للإشارة إلى أنّ حلّ النزاعات في المنطقة يمرّ عبر طهران

وبالنظر إلى الأمر بأثر رجعي، يحدّد بعض المحلّلين تلك الرسالة، التي أُرسلت خلال حرب العراق عام 2008، باعتبارها محطة مفصلية شكّلت بداية أحد أوسع التحوُّلات التي طرأت على السياسة الإقليمية نتيجة هجمات 11 أيلول الإرهابية عام 2001 على الولايات المتحدة: صعود إيران كقوة إقليمية.

سقوط العراق وبروز إيران

بعد 11 أيلول، غزت واشنطن العراق وأسقطت رئيسه، صدام حسين، ما أطلق عجلة الأحداث التي أتاحت لإيران الهيمنة على جارتها، التي كانت في السابق خصمها الرئيسي. وبدا أنّ ذلك زاد شهية طهران إلى الهيمنة الإقليمية، بطرق لا تزال أصداؤها تتردّد حتى اليوم في الصراع مع الولايات المتحدة.

 

وأوضح ستيفان لاكروا، الأستاذ المتخصِّص في الإسلام المعاصر في معهد العلوم السياسية في باريس: «الحرب في العراق غيّرت كل شيء فعلاً، لأنّها جعلت إيران جزءاً أكبر بكثير من المعادلة. فتحت الطريق أمام هذا النوع من التوسّع الإيراني، وهذا النفوذ الإيراني الأكبر بكثير في مختلف أنحاء المنطقة».

أملت إيران طوال عقود، من دون جدوى، في الإطاحة بصدام حسين، لكنّ تحقيق هذا الهدف جاء من جهة غير متوقعة عندما غزت الولايات المتحدة العراق في آذار 2003. وقبل 11 أيلول بوقت طويل، كانت إدارة الرئيس جورج دبليو. بوش تدعو إلى تغيير النظام في العراق، بحجة أنّ حسين أصبح قوّة مزعزعة للاستقرار في المنطقة، ولا سيما لغزوه الكويت عام 1990. وقد وفّر هجوم 11 أيلول الذريعة لذلك، على رغم من عدم وجود أدلة ملموسة تربط العراق بتنظيم القاعدة.

 

وبعد أيام من 11 أيلول، أعلن بوش «الحرب على الإرهاب»، التي ركّزت في البداية على حكومة طالبان في أفغانستان، التي كانت تؤوي تنظيم القاعدة، لكنّه أعلن أنّها ستشمل كل جماعة إرهابية ذات امتداد عالمي. تزامناً، أدلى بنيامين نتنياهو، الذي كان آنذاك رئيس وزراء إسرائيلياً سابقاً، بشهادته أمام الكونغرس، وقال إنّ الإطاحة بالزعيم العراقي ستحدث «ارتدادات إيجابية» في أنحاء المنطقة، بما في ذلك، ربما، تغيير النظام في إيران.

وخلال أشهر، وسّع بوش نطاق التحرُّك، مستخدماً خطاب حالة الاتحاد في مطلع عام 2002 لوضع إيران والعراق مع كوريا الشمالية ضمن «محور الشر»، الذي يسعى إلى امتلاك أسلحة دمار شامل لاستخدامها بنفسه أو لتزويد الإرهابيّين بها.

 

التلويح بالحرب على إيران

وواصل كبار المسؤولين في إدارته التصعيد الكلامي، ملمّحين إلى أنّ العمل العسكري ضدّ إيران، باعتبارها راعية للإرهاب، قد يكون مطروحاً. كما قدّم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي مشاريع قوانين لتمويل جماعات تعمل من أجل الإطاحة بالحكومة في طهران. وأثار كل ذلك الخطاب قلق إيران، الخصم للولايات المتحدة منذ ثورتها الإسلامية عام 1979.

 

وأوضح رايان كروكر، السفير الأميركي السابق لدى العراق وعدد من الدول الأخرى في المنطقة، أنّ إيران، بعد خطاب «محور الشر»، اقتنعت بأنّ الولايات المتحدة «تستهدف النظام»، فبدأت في حشد قواها لمواجهة واشنطن في المنطقة بصورة أكثر حزماً.

وسرعان ما اكتشفت إيران أنّها ليست مضطرة إلى نشر جنودها ودباباتها وصواريخها الخاصة لمحاربة القوات الأميركية وقوات الحكومة العراقية، وكذلك الجهاديّين السنّة الذين هدّدوا الغالبية الشيعية في العراق. كان بإمكانها الاعتماد بدلاً من ذلك على الميليشيات المحلية. وهكذا، سلّح الحرس الثوري الإسلامي وموَّل ودرَّب ميليشيات في العراق، في جهد قاده الجنرال قاسم سليماني.

 

الكلفة الباهظة على واشنطن

ويشرح أفشون أوستوفار، مؤلف كتاب «حروب الطموح»، الذي يتناول تاريخ الصراع الحديث بين الولايات المتحدة وإيران: «كان الأمر ببساطة يتمثل في خلق قدر كافٍ من الفوضى في العراق، من خلال مسلّحين يتعذّر تحديد هويّتهم بسهولة، إلى درجة لم تتمكن معها الولايات المتحدة من التغلّب على ذلك».

 

وبالتزامن مع القتال ضدّ الميليشيات التي درّبتها إيران، جعل صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش)، الوجود الأميركي في العراق عبئاً مكلفاً على واشنطن، التي أرادت في نهاية المطاف الخروج منه. وباعتبار إيران نفوذها الجديد على العراق انتصاراً، بدأت تختبر كيفية توسيع ذلك النهج ليشمل المنطقة بأسرها.

 

وأضاف أوستوفار، أنّ العراق «أصبح مضخّماً، وعاملاً يزيد من حدّة طموحات إيران نفسها لنشر ثورتها، ونشر نفوذها السياسي. كلّما اكتسبت إيران مزيداً من الزخم في العراق، ازدادت طموحاتها. خلق العراق الحافز لإيران لتطلق حملتها المضادة».

 

وقبل اغتياله على يد الولايات المتحدة في العراق عام 2020، كان الجنرال سليماني يدير فيلق القدس، الذراع التابعة للحرس الثوري التي تعمل خارج إيران. ولمواجهة القوّة الأميركية، انتقل الجنرال من العراق إلى دعم سلسلة من الميليشيات الوكيلة، من سوريا إلى لبنان إلى غزة وصولاً إلى اليمن، مكوّناً ما كان يُشار إليه أحياناً باسم «الهلال الشيعي» الممتد عبر الشرق الأوسط. وأطلقت إيران على ذلك اسم «محور المقاومة».

وإلى جانب معارضة الولايات المتحدة، كان الحرس الثوري يهدّد منذ عقود بتدمير إسرائيل. ومع وجود ما كان بمثابة خط مواجهة أمامي من الميليشيات الوكيلة، رأت إيران أنّ احتمال مواجهة إسرائيل مباشرة لم يعُد أمراً بعيد المنال.

 

تطويق إسرائيل

وسعت طهران إلى تطويق إسرائيل، مع إنشاء منطقة عازلة لردع أي هجوم مباشر على إيران. ثم جاء في عام 2023 الهجوم الذي قادته حركة «حماس» على المدنيّين الإسرائيليّين. ورداً على ذلك، دمّرت إسرائيل قطاع غزة تقريباً في محاولة للقضاء على «حماس»، وسوّت مساحات واسعة من لبنان بالأرض أملاً في اقتلاع «حزب الله»، القوّة الوكيلة الرئيسية لإيران.

 

وبعد ذلك بوقت قصير، في عام 2024، تولّى جهادي سنّي سابق من سوريا، كان قد انشق عن تنظيم الدولة الإسلامية، السيطرة في دمشق، وطرد الميليشيات الإيرانية وأزال ركيزة أساسية من ركائز النفوذ الإيراني في المنطقة.

وكادت استراتيجية القوات الوكيلة أن تتفكّك بالكامل، وفشلت في العمل كرادع. وقد هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بشكل مباشر في حزيران 2025، في تمهيد للحرب الحالية. والآن، تجد واشنطن نفسها عالقة في تلك الحرب، فيما لا تزال نتيجتها موضع تساؤل. وقد تراجع نفوذ القوات الوكيلة لإيران في المنطقة بصورة كبيرة، كما تعرَّضت إيران لدمار هائل في الداخل.

 

تزامناً، فرضت طهران سيطرتها على مضيق هرمز، في محاولة لضمان النفوذ الإقليمي الذي بدأت في بنائه بعد 11 أيلول. وفي الأسابيع الأخيرة، شنّ حلفاء إيران في اليمن، الحوثيّون، تقدُّماً خاطفاً، وسيطروا على أراضٍ استراتيجية من الحكومة المدعومة من السعودية.

ويرى محللون، أنّ استراتيجية إيران في المنطقة تعكس، من بعض النواحي، ما تعلّمته للمّرة الأولى في العراق، وهو أنّها ليست مضطرة إلى تحقيق نصر كامل، بل يكفيها أن تفعل ما يكفي لحرمان خصومها من تحقيق أهدافهم. وفي هذه الحرب، كان هدف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل هو إسقاط النظام، ولذلك لم يكن على الحكومة في طهران سوى البقاء.

 

وأضاف أوستوفار: «إنّ إبقاء الجمهورية الإسلامية قائمة كان انتصاراً، أليس كذلك؟ بمجرّد زوال التهديد الوجودي الذي كان يواجه الجمهورية الإسلامية، تمكنت إيران فعلاً من التوسع ودفع حدود ما كانت تعتبره انتصاراً. إنّ مضيق هرمز هو خط المواجهة الجديد في المعركة، لكن من غير المرجّح أن تنتهي الأمور عند هذا الحدّ».

شاركها.