قد يبدو مستغربًا أن تُطرح قضية التعليم الرسمي في وقت واحد في بلدين يحكمهما نظامان سياسيان متناقضان: نظام علماني في فرنسا، اعتُبر فيه التعليم الرسمي العمود الفقري لبناء العلمانية على مستوى القيم والمساواة بين المواطنين؛ ونظام طائفي في لبنان، اعتُبر فيه التعليم الخاص العمود الفقري على مستوى القيم والتمييز بين المواطنين.
مع ذلك، يشترك البلدان حاليًا في خاصيتين. الخاصية الأولى: العلمانية في فرنسا في أزمة مع تفاقم الصراعات السياسية حول الموقف من المهاجرين والمسلمين؛ والنظام الطائفي في لبنان في أزمة مع تصاعد الكراهية بين بعض المذاهب الإسلامية، كما بين بعض المذاهب الإسلامية والمسيحية. الخاصية الثانية: لبنان في حالة انهيار اقتصادي، وفرنسا تواجه صعوبات اقتصادية والتفاوت بين الطبقات إلى اتساع في عهد ماكرون. وفي اعتقادي أن للخاصيتين تأثيرًا سلبيًا على التعليم الرسمي في البلدين.
لنتوقف عند الظاهرتين المتزامنتين اللتين تهدفان إلى المطالبة بدعم التعليم الرسمي في البلدين.
الظاهرة الأولى، التي انطلقت منذ أكثر من أسبوعين وتجري تغطيتها عالميًا، هي هذه الانتفاضة التي يقودها تلامذة التعليم الثانوي الرسمي في فرنسا، وتتمحور مطالبها حول تحسين أوضاع التلاميذ والأساتذة ومراكز التدريس. أما الظاهرة الثانية، التي انطلقت منذ أيام قليلة، وهي التي تقودها رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي بقيادة الدكتورة نسرين شاهين، فقد بدأت تحظى بتغطية خجولة حتى الآن في الإعلام اللبناني، لكن جيدة على المنصات. ويمكن تلخيص موقف الرابطة بالاحتجاج على تعليق عمل 3500 أستاذ متعاقد بقرار من وزيرة التربية، بحجة استكمال «دراسة الحاجات»، مع أن العام الدراسي قد بدأ منذ نحو شهر، ما أدى إلى تعطيل كلي لبعض المدارس الرسمية وتعطيل جزئي لمعظم المدارس الأخرى، التي اضطرت إلى إيقاف التعليم وإرسال التلاميذ إلى بيوتهم بعد انقضاء ساعتين أو ثلاث من بدء الدروس. أضرّ قرار الوزيرة بديمومة عمل 3500 معلم في ظروف معيشية صعبة جدًا، كما حرم الكثير من التلاميذ من التعليم، مفاقمًا أوضاع التعليم الرسمي الذي يعاني تاريخيًا من الإهمال.
في فرنسا، بدأت التحركات في المدارس الرسمية الموجودة في المناطق الأكثر تهميشًا وفقرًا، وفي لبنان يقود التحرك الأساتذة المتعاقدون في التعليم الرسمي، وهم الأكثر تهميشًا على مستوى الأجور والتقديمات الاجتماعية، حتى بالمقارنة مع العمال المياومين في القطاعات الأخرى الذين يتقاضون أجورًا أفضل ويحصلون على تقديمات تقارب ما يحصل عليه المثبّتون.
فئتان مهمّشتان تتحركان من أجل مطالب مختلفة، لكنها تصبّ في قضية واحدة، ألا وهي دعم التعليم الرسمي.
عناد الحكومة الفرنسية في تلبية المطالب ولجوؤها إلى العنف ضد التلاميذ حوّلا الصراع الاجتماعي إلى منازلة سياسية، وخاصة بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف، والحزب الأخير متهم بالتحريض على الحكومة وتأجيج الصراع. كل ذلك على بُعد ثمانية أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية التي يتنافس فيها الطرفان.
تحرك الأساتذة في لبنان لا يزال في بدايته، ولم يأخذ أي بُعد سياسي حزبي، في بلاد انحصرت فيها الاهتمامات الحزبية بالمحاصصات المذهبية والطائفية، المغطّاة بشعارات وطنية كبيرة. لا سيما أن رابطة الأساتذة مستقلة سياسيًا عن جميع الأحزاب، على عكس معظم الروابط والنقابات اللبنانية التي تخضع لمشيئة الأحزاب، وخاصة المذهبية منها. إضافة إلى أن الأحزاب اللبنانية لا تبالي كثيرًا بالتعليم الرسمي، وإن أشارت إلى ضرورة دعمه في القليل من بياناتها.
ومع أن التحرك قد بدأه التلاميذ هناك والأساتذة هنا، فإن تطوره في فرنسا جذب إليه نقابات الأساتذة في المدارس والجامعات، التي عبّرت عن تضامنها بالبيانات والإضراب والمشاركة الفعلية في التظاهرات. وبالتوازي، بدأ التحرك في لبنان، رغم حداثته، يلقى دعم التلاميذ الذين راحوا يعبّرون عن احتجاجاتهم أمام أبنية المدارس عند عودتهم إلى منازلهم باكرًا بسبب غياب الأساتذة. مع ضرورة الإشارة إلى أن التلاميذ المعنيين في لبنان لا يزالون في مرحلة التعليم الأساسي، ولم يكتسبوا بعد جرأة وثقافة تلاميذ المرحلة الثانوية كما في فرنسا. كما انضم بعض الأهالي إلى تجمعات أمام المدارس، وهناك بوادر لانضمام أهالٍ آخرين إلى التحركات في أكثر من منطقة لبنانية، كل ذلك في ظل صمت روابط التعليم الأخرى، إضافة إلى التقاعس المتمادي للاتحاد العمالي العام واتحاداته ونقاباته في مجال الدعم الفعلي للتعليم الرسمي.
المطالب والشعارات التي يرفعها الأساتذة تتلخص بالآتي:
#أنقذوا_التعليم_الرسمي
#حاسبوا_ريما_كرامي
#اعيدوا_الاساتذة_والتلاميذ_إلى_المدارس_الرسمية
#اعيدوا_ريما_كرامي_إلى_البيت
حتى الآن، لم تتجاوب وزيرة التربية مع مطالب الأساتذة. فمنذ أن اتخذت قرارها بتعليق عمل 3500 أستاذ، وفي أول يوم من بدء العام الدراسي، اعتصمت رابطتهم أمام مقر الوزارة احتجاجًا. وقد تطرقت إلى ذلك في مقال سابق توقفت فيه عند ظاهرة التضامن بين الأساتذة، إذ إن المتعاقدين الذين لم يطلهم التعليق تضامنوا مع الآخرين بالتوقف عن التعليم، رغم أنهم، وفق الحسابات الضيقة، يستفيدون من غياب زملائهم، إذ يسمح لهم ذلك بكسب المزيد من ساعات التعليم.
وعندما صوّرت رئيسة الرابطة فيديو أمام مدرسة شكيب أرسلان التي تعلّم فيها، لتسليط الضوء على مشكلة غياب الأساتذة واضطرار التلاميذ إلى مغادرة المدرسة بعد ساعتين فقط من التدريس، موثّقة بالصوت احتجاجات التلاميذ، بادرت الوزيرة إلى فتح أبواب مدرسة شكيب أرسلان فقط أمام جميع الأساتذة، وكأن المشكلة محصورة بهذه المدرسة وليست في معظم المدارس الرسمية. وقد فُسّرت هذه الخطوة على أنها محاولة لإسكات رئيسة الرابطة، من دون معالجة أساس المشكلة، في دلالة على كيفية معالجة الوزيرة لقضية بحجم تعليق عمل 3500 مواطن وتعطيل التدريس في المدارس الرسمية.
بعد ذلك، تكاثر نشر الفيديوهات من أمام المدارس المعطّلة في مختلف المناطق اللبنانية، لتبيان حجم المشكلة والضغط من أجل حلّها بما يتناسب مع الحرص على التعليم الرسمي في لبنان. وفي انتظار توسع التحرك وربما اتخاذه أشكالًا أخرى، المطلوب من النقابات وهيئات المجتمع المدني، ولِمَ لا من الأحزاب السياسية أيضًا، التعبير عن دعمهم للمدرسة الرسمية بالأفعال لا بالأقوال، من خلال احتضان تحرك الرابطة التي تدافع وحيدة عن قضية وطنية بهذا الحجم، في حين يتحالف التلامذة والنقابات والأحزاب للدفاع عنها في فرنسا. مقارنة بسيطة لاختلاف الظروف في البلدين، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ونقابيًا غسان صليبي- موقع جونبية
