على وقع القلق من نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، والتي تلعب فيها مادة الديزل دوراً رئيسياً في تحديد مزاج الناخبين، وافقت دول مجموعة السبع، الأسبوع الماضي، على إطلاق 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل لتغذية السوق وتهدئة الأسعار، ومن المتوقع أن تنقسم هذه الدفعة إلى نصفين، 50 مليون برميل من الخام ومثلها من الديزل، مع إطلاق دفعة كبيرة من الديزل (لم يعلن عن حجمها)، خلال الأيام العشرين الأولى بعد الإعلان.

يأتي هذا القرار بطلب مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويثير ردود فعل كثيرة، خصوصاً في ظل الظروف التي تم الإعلان عنه فيها، أي بعد تهديد ترامب لدول الاتحاد الأوروبي بفرض حظر على صادرات الديزل الأميركي إلى أوروبا في حال عدم التجاوب مع طلبه. ولكن ماذا عن فاعلية هذه الخطوة؟ وكيف سيكون أثرها على المديين القريب والبعيد؟

حاجة إنتخابية ملحّة

أثر قرار مجموعة السبع على الأسعار أتى سريعاً، إذ انخفض سعر خام برنت، الإثنين الماضي، من 103.15 دولار وأغلق عند 100.2، فيما سجل خام تكساس الوسيط الأميركي انخفاضاً من 91.77 إلى 89.43 دولاراً.

ولكن، وفي وقت لاحق من الأسبوع، عاود سعر الخام الارتفاع، على وقع ازدياد الهجمات الإيرانية على الناقلات في مضيق هرمز، وتوعد المتحدث باسم الجيش الإيراني باستهداف الممرات المائية الموازية التي تتخذها بعض السفن.

أما الديزل، الذي شهد سعره ارتفاعاً كبيراً خلال الشهر الفائت، فانخفض متوسط سعره الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة بـ10 سنتات للغالون (4 ليتر)، من 6.38 دولار، إلى 6.28، وفقاً لجمعية السيارات الأميركية. وللمقارنة، بلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها من العام الماضي 3.67 دولار.

إذاً، كانت نتيجة الإطلاقات انخفاض طفيف بأسعار الديزل، وانخفاض طفيف ومؤقت بأسعار الخام.

الانخفاض السريع بالسعر هو ما يبحث عنه ترامب قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل. فأسعار الوقود دائماً ما كانت عاملاً مهماً في ترجيح كفة فريق على آخر في الانتخابات الأميركية. ولهذا، ضغط ترامب بقوة من أجل دفع نظرائه الاوروبيين لاتخاذ هذا القرار، فهو لم يكتف بالإلحاح، بل ذهب إلى حد التهديد بحرمانهم من الديزل الأميركي في حال التمنع عن فتح مخزوناتهم. والجدير ذكره أن أوروبا تحصل تقريباً على نصف الكمية التي تحتاجها من الديزل من الولايات المتحدة، وحرمانها من الديزل الآتي منها سيضعها في مأزق كبير.

لا كميات كافية لتعويض النقص في المخزونات

على المدى البعيد، من المتوقع أن تؤجج الإطلاقات الأزمة، فمخزونات الخام والديزل آخذة في التناقص.

على سبيل المثال، لا يزال الحظر الروسي على تصدير مادة الديزل في محله، والمقرر أن يبقى كذلك إلى أجل غير معلوم، إذ إن محطات التكرير الروسية لا تزال تعاني تحت وطأة القصف الأوكراني المركز. وروسيا هي ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة.

الانخفاض السريع بالسعر هو ما يبحث عنه ترامب قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل

أما في منطقتنا، فالضربات التي تتعرض لها منشآت «أرامكو» في عدد من المدن السعودية، وعدم وجود أفق للتهدئة بين الرياض و«أنصار الله»، تعطي انطباعاً بأن أزمة الديزل قد تشتد في حال لم تتوقف هذه الهجمات.

وفي ما يتعلق بالخام، وعلى الرغم من التقارير التي تحدثت عن عودة حركة العبور في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب، إلا أن التصعيد الإيراني الأخير من خلال العودة إلى استهداف الناقلات، وتوعد قائد الجيش الإيراني باستهداف الممرات البديلة التي أنشأت داخل المضيق، أعاد الدول المستوردة إلى أرض الواقع، وذكّرهم بأن مرور شحناتهم النفطية عبر المضيق لا يزال محفوفاً بالمخاطر.

وفي السياق نفسه، تعود الصين، التي لعبت دوراً مهماً في تهدئة أسعار الطاقة في الأشهر الأخيرة، إلى زيادة مشترياتها من الخام. وخفضت الصين استيرادها للخام بشكل كبير خلال الأشهر الأولى من الحرب، فبلغت الكمية المستوردة في حزيران الماضي 7.12 مليون برميل يومياً، أي بانخفاض 41% مقارنةً مع الشهر نفسه من عام 2025 وفقاً لما ذكرته وكالة «بلومبرغ». وقد ساهمت هذه «الحمية» في تهدئة الأسعار نوعاً ما. أما اليوم، فتعاود الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، رفع الكميات المستوردة، مسجلةً 8.9 مليون برميل يومياً وفقاً لموقع «أويل برايس»، وهو ما يزيد من الضغط على الأسعار والكميات المتاحة في السوق.

  • قال الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو» أمين الناصر: مخزونات النفط العالمية منخفضة بشكل مقلق. (من الويب)
    قال الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو» أمين الناصر: مخزونات النفط العالمية منخفضة بشكل مقلق. (من الويب)

وعن محدودية هذه الكميات، قال الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو»، أمين الناصر، الإثنين الفائت، إن مخزونات النفط العالمية «منخفضة بشكل مقلق» بسبب تداعيات الحرب الأميركية على إيران، مضيفاً أن «المنظومة تتعرض بالفعل لضغوط». وأشار إلى أنه «مع محدودية الخيارات الأخرى المتاحة أمام العالم، بات هامش الأمان لضمان استقرار الإمدادات ضئيلاً بشكل مقلق».

كل هذه العوامل تجعل من الكميات المتاحة من الديزل أو الخام، غير كافية لتعويض الكميات التي يتم ضخها من أجل تهدئة الأسعار، وتضع الأسواق في وضع هش أمام أي انتكاسة جديدة قد تتعرض لها خطوط الإنتاج.

«حبل إنقاذ» روسي لواشنطن أم حل وهمي؟

في غضون ذلك، أعلن ترامب، الجمعة، عن اتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين ينص على أن تزوّد روسيا الأسواق الأميركية والعالمية «فوراً» بأكثر من 300 ألف طن متري من الديزل، أي ما يعادل نحو 2.25 مليون برميل من الوقود، وفقاً لما ذكره ترامب في منشور على وسائل التواصل. وللمقارنة، تصدّر الولايات المتحدة نحو 1.5 مليون برميل من الديزل يومياً.

وأضاف ترامب أن «روسيا ستقوم بتوريد 500 ألف طن أخرى من الديزل في تشرين الثاني تليها مليون طن فوراً»، فيما أوضح أن «روسيا ستقوم بتوريد 3 ملايين طن من الديزل خلال فترة قصيرة بناء على حالة المصافي لديها».

ونقلت «رويترز» عن محللين قولهم إن الاتفاق من غير المرجح أن يؤدي إلى انخفاض مستدام في أسعار الوقود.

وفي هذا الصدد، قال الباحث في أسواق النفط ومؤسس موقع «CommodityContext.com»، روري جونستون ، في منشور على منصة «إكس»: «لا يمكنني المبالغة في وصف مدى ضآلة أهمية هذا الاتفاق»، مضيفاً أن روسيا عادةً ما تصدّر كميات من الديزل تفوق بكثير الكميات الواردة في الاتفاق، عندما لا تكون مصافيها النفطية عرضة للهجمات.

من جهته، اعتبر المحلل في شركة الاستشارات «وود ماكنزي» جيم ميتشل، إنه «من الواضح أن هذا ليس حلاً، بل مصدر إضافي للإمدادات من شأنه أن يساعد سوق الديزل التي تعاني شحاً شديداً».

وعلى الرغم من ضخامة الإعلان، إلا أن الخطة تشوبها مشكلتين، الأولى هي أن هذه الكمية التي ستطلقها روسيا غير كافية لإراحة السوق وخلق فائض في المعروض، والثانية والأهم هي اعتمادها على «حالة المصافي» الروسية، كما ذكر ترامب، وهو ما ليس مضموناً بأي حال من الأحوال. وبالنتيجة، يبدو ترامب كمن يقامر بمخزونات العالم من المنتجات النفطية من أجل تخفيض السعر مؤقتاً لكي يفوز حزبه بالانتخابات النصفية مطلع الشهر المقبل، من دون أن يعير اهتماماً لكيفية تعويض هذه المخزونات لاحقاً، أو تأثير تضاؤلها على أسعار الخام والديزل بعد انتهاء مفعول إطلاقات أوروبا وروسيا.

شاركها.