في ظلّ محاولات السلطة السورية الحالية إعادة ترتيب نفوذها في مناطق الساحل، تبرز سلسلة من الإجراءات التي تستهدف الحدّ من سلطة المشايخ داخل القرى والبلدات ذات الغالبية العلوية، بالتوازي مع تعزيز حضور أبناء الطائفة في المجالس المحلية والمؤسسات الحكومية. وتكشف هذه الخطوات، التي تشمل مناطق اللاذقية وجبلة وطرطوس وبانياس، عن توجه نحو إعادة تشكيل الإدارة المحلية وفتح قنوات جديدة مع العلويين، ضمن خطة تجريبية تمتد لأشهر.
وبحسب مصدر مطلع لـ«الأخبار» بدأ هذا التوجه لدى السلطات السورية، خلال الأشهر الماضية، إذ ذهبت باتجاه اتخاذ مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى الحد من نفوذ المشايخ وسلطتهم داخل القرى والبلدات ذات الغالبية العلوية في الساحل السوري، وذلك عبر تعزيز حضور شخصيات من الطائفة العلوية في المجالس المحلية، ممن لم توجّه إليهم اتهامات بالضلوع في جرائم مرتبطة بالنظام السابق.
وتُعدّ بلدة قرفيص أحدث نماذج هذه الإجراءات، إذ جرى إبعاد المشايخ الذين كانوا يتولون إدارة شؤون البلدة، بصورة مباشرة أو عبر إشراف غير مباشر، منذ عام 2024 وحتى الآن، ليصبح الطاقم العامل في المجلس البلدي من أبناء الطائفة العلوية حصراً الذين لا يحملون خلفية دينية.
ووفق المصدر، فإن الغالبية العظمى من أعضاء المجالس البلدية والمحلية في اللاذقية وجبلة وطرطوس ينتمون إلى الطائفة العلوية، في حين تراجعت ظواهر تدخل المشايخ وقادة الفصائل التابعين للسلطة الانتقالية، التي كانت حاضرة في بداية سقوط النظام، ولم تعد موجودة بالشكل السابق. كذلك، تقلّص الوجود العسكري الأجنبي في القرى العلوية بريف جبلة بصورة كبيرة.
خطة تجريبية لأربعة أشهر
وتثير هذه الإجراءات تساؤلات بشأن أهدافها، وما إذا كانت تعكس توجهاً لدى السلطة السورية الحالية نحو التقرب من الطائفة العلوية وإعادة دمجها في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر خاصة لـ«الأخبار» بأن الإجراءات جرت بالتنسيق مع أحد وجهاء الطائفة العلوية، الذي يقدّم نفسه بوصفه شخصية تتمتع بحظوة كبيرة لدى السلطة، وجرى الاتفاق على أن تكون المجالس المحلية والبلديات في البلدات المعنية «علوية» بالكامل.
وأُطلقت خطة تجريبية تمتد أربعة أشهر، تتضمن إعادة عدد كبير من أبناء الطائفة العلوية إلى مواقع العمل، مع الاعتماد بصورة كبيرة على الكوادر العلوية في البلديات والمحافظات، وصولاً إلى المدن الرئيسية في الساحل السوري. ولا تقتصر هذه التوجهات على المجالس البلدية، بل تشمل مؤسسات حكومية أخرى في مدينة جبلة، من بينها الدوائر العقارية والمالية، وحتى بعض المواقع المرتبطة بالمحاكم، بما يشبه محاصصة غير معلنة، وفق المصدر.
تفاوت في التمثيل داخل المؤسسات
في المقابل، بقي سلك القضاء، وفق المصدر، خاضعاً في غالبيته لسلطة قضاة من الطائفة السنية، بينهم قضاة من «هيئة تحرير الشام»، وتشير التقديرات الواردة من المصدر إلى أن نسبة القضاة السنّة في محاكم الساحل تبلغ نحو 70%، مقابل 30% من العلويين.
أما في المؤسسات الحكومية داخل مدينة جبلة، فقد بقي عدد من الموظفين الذين عملوا في عهد النظام السابق في وظائفهم، كما عاد بعضهم إلى العمل بعد انقطاع. ويقدّر المصدر أن التمثيل داخل هذه المؤسسات بات قريباً من المناصفة، بنسبة تتراوح بين 50 و50%.
ويعزو المصدر هذا التوجه، جزئياً، إلى الجدل الذي أثاره تدخل المشايخ في عمل المؤسسات، مستشهداً بما جرى في المؤسسة العامة للثروة السمكية في جبلة، عندما أثار المدير العام جدلاً واسعاً على خلفية إجراءات مرتبطة بمنع التبرج، ما تسبب بإحراج أمام الرأي العام والمنظمات الدولية.
خطوات لبناء الثقة وتجنب الاحتكاك
وبحسب المصدر، فإن الخطة الحالية تجريبية ومحددة المدة، وتهدف إلى ضمان عدم حدوث احتكاكات بين أبناء الطائفة العلوية والسلطة الحالية، عبر اتخاذ خطوات تدريجية لإعادة الحقوق وتعزيز الثقة.
وفي هذا الإطار، يجري التركيز على المجالس البلدية والمحلية في القرى والبلدات ذات الغالبية العلوية، بحيث تكون هذه المجالس مكوّنة من أبناء الطائفة، مع شبه غياب للتمثيل السنّي فيها.
وتأتي هذه الإجراءات بوصفها توجهاً نحو تعزيز حضور العلويين في الإدارة المحلية، ومنح البلدات والقرى ذات الغالبية العلوية مساحة أوسع لإدارة شؤونها عبر مجالس محلية وبلديات يغلب عليها أبناء الطائفة، في إطار ما يمكن وصفه باللامركزية الإدارية في مناطق الريف.
المصدر: الأخبار
