يفرض التفرّغ في الجامعة اللبنانية معايير الكفاءة والحاجة والأقدمية، فيما يهدّد اختزال الاختصاصات بعدد الطلاب تنوّع الجامعة ووظيفتها الوطنية
يستمر ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية في الانتظار، فيما تتسع الأسئلة حول أسباب التأخير والمعايير التي ستُعتمد في حسمه. وليس تفصيلاً أن يبقى أساتذة ينتظرون قراراً يتعلق بمستقبلهم المهني، فيما تحتاج الجامعة نفسها إلى استقرار هيئتها التعليمية وإلى معالجة حاجاتها الأكاديمية بعيداً من التجاذبات التي لطالما أثقلت مؤسسات الدولة.
المسألة هنا ليست فقط متى سيصدر القرار، ولا كم اسماً سيتضمّنه. المسألة الأهم هي: على أي أساس ستُتّخذ القرارات؟
من الطبيعي أن تكون لكل ملف إداري معايير محدّدة، وأن تؤخذ في الاعتبار حاجات الجامعة واختصاصاتها وأعداد طلابها وقدرتها المالية.
لكن ما يثير القلق هو أن تتقدّم اعتبارات أخرى على المعايير الأكاديمية والقانونية، وأن يصبح التوازن الطائفي، وهو من سمات الحياة السياسية اللبنانية، معياراً حاسماً في ملف يُفترض أن تحكمه قواعد مختلفة.
فالأساتذة الجامعيون ليسوا من موظّفي الفئة الأولى حتى يُفرض على ملفهم بالضرورة المنطق نفسه الذي يحكم بعض التعيينات العليا في الدولة. وإذا كانت هناك قواعد قانونية تفرض مراعاة معيّنة في هذا المجال، فمن حق أهل الجامعة والرأي العام أن يعرفوا ما هي هذه القواعد وحدودها، لا أن تتحوّل إلى عرف غير مكتوب يسبق الكفاءة والحاجة والأقدمية.
والأمر يصبح أكثر حساسية عندما تدور أحاديث عن محاولات لتعديل أسماء في الملف، أو استبعاد أسماء وإضافة أخرى، أو تجاوز أقدمية أستاذ لمصلحة اسم آخر. هنا لا يعود النقاش حول التفرّغ مجرد نقاش إداري. يصبح السؤال متعلّقاً بالعدالة داخل الجامعة وبمدى تكافؤ الفرص بين الأساتذة.
الأقدمية ليست، بطبيعة الحال، المعيار الوحيد الذي يمكن اعتماده. لكنها معيار لا يجوز تجاهله أو القفز فوقه من دون أسباب واضحة. وإذا كانت هناك مفاضلة بين أساتذة يستوفون الشروط، فمن الطبيعي أن تكون هناك معايير مُعلنة يستطيع الجميع فهمها وتطبيقها على الحالات المتشابهة.
فالعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما أن يخضع الجميع للقاعدة نفسها.
ماذا عن كلية الآداب؟
في موازاة ذلك، برز في النقاش ما يتصل ببعض اختصاصات كلية الآداب، وكأنّ انخفاض عدد الطلاب في بعض الأقسام يمكن أن يكون مبرّراً كافياً للتشكيك في الحاجة إليها. وهنا تحديداً ينبغي التروّي. إنّ كلية الآداب في الجامعة اللبنانية ليست كلية هامشية، ولا يمكن النظر إلى دورها من خلال عدد طلابها فقط. فالكثير من اختصاصاتها يرتبط بصورة مباشرة بالتعليم المدرسي، والجامعة تؤدّي دوراً أساسياً في إعداد من سيقومون بتدريس اللغة والمواد الأدبية والإنسانية في المدارس. وهذا يعني أن قياس الحاجة إلى هذه الاختصاصات بعدد طلابها داخل الجامعة فقط يعطي صورة ناقصة.
قد يكون عدد الطلاب في قسم معيّن محدوداً، لكن هذا لا يعني أن الاختصاص نفسه بلا حاجة. فالجامعة لا تخرّج فقط من سيعملون داخل الجامعة أو في شركات خاصة، وإنما ترفد المجتمع والمدرسة والإدارة والثقافة والقطاعات المختلفة بكفاءات قد لا تظهر الحاجة إليها من خلال الأرقام الجامعية وحدها.
والسؤال نفسه يمكن طرحه على بعض أقسام كلية العلوم. فعلما الفيزياء والكيمياء، مثلاً، ليسا اختصاصين يمكن الحكم على أهميتهما من خلال عدد الطلاب فقط. وعلم الأحياء قد يستفيد من الإقبال المرتبط بالطب والمهن الصحية، لكن ذلك لا يعني أن الاختصاصات الأخرى تصبح أقل قيمة لأنها لا تتمتّع بالطلب نفسه.
إذا اعتمدنا عدد الطلاب وسوق العمل معياراً وحيداً، فأين نصل؟هل تصبح الجامعة مُطالبة بإغلاق كل اختصاص لا يحقّق عدداً كبيراً من الطلاب؟ وهل نصل في النهاية إلى جامعة لا تدرّس إلا الاختصاصات التي يطلبها السوق في لحظة معيّنة؟
إذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نتحدّث عندها عن الجامعة اللبنانية بوظيفتها الوطنية، بل عن مؤسسة تعليمية تُدار بمنطق العرض والطلب والربح والخسارة. وهذا أمر مختلف تماماً.
العدد القليل لطلاب الاختصاص لا يلغي حاجة المدارس إلى متخرّجيه
الجامعة اللبنانية ليست جامعة خاصة. لا أحد يعترض على أن تعيد الجامعة النظر في اختصاصاتها وأن تدرس حاجاتها بصورة دورية. بل إن ذلك ضروري. ومن الطبيعي أن تدخل أعداد الطلاب وحاجات سوق العمل وتطوّر الاختصاصات في أي عملية تقييم.
لكنّ التقييم شيء، وإلغاء قيمة اختصاص كامل لأنه لا يحقّق أعداداً مرتفعة شيء آخر.
الجامعة اللبنانية لها وظيفة لا يمكن فصلها عن كونها الجامعة الرسمية في البلاد. وهي ليست مُطالبة فقط بتخريج اختصاصات مطلوبة في سوق العمل، وإنما أيضاً بالحفاظ على تنوّع المعرفة وتأمين التعليم العالي للطلاب الذين قد لا تكون لديهم القدرة على تحمّل كلفة الجامعات الخاصة.
ومن هنا، فإن أي نقاش حول مستقبل كلية الآداب أو أي كلية أخرى يجب أن يستند إلى دراسة أكاديمية حقيقية: ما حاجات المدارس؟ ما حاجات الدولة؟ ما عدد الأساتذة المطلوبين في التعليم الرسمي والخاص؟ ما مستقبل الاختصاص؟ وما الذي يمكن تطويره بدلاً من إلغائه؟
هذه أسئلة جدّية وتحتاج إلى أرقام ودراسات، لا إلى أحكام سريعة مبنية على عدد الطلاب وحده.
المطلوب معيار واحد للجميع. في النهاية، ربما يكون ملف التفرّغ فرصة لطرح سؤال أكبر من أسماء الأساتذة الذين سيشملهم القرار: أي جامعة نريد؟
إذا كانت الكفاءة والحاجة الأكاديمية والأقدمية والشروط القانونية هي الأساس، فليكن ذلك واضحاً للجميع. وإذا كانت هناك معايير أخرى يفرضها القانون، فلتكن واضحة أيضاً. أمّا أن تبقى المعايير غير مُعلنة أو قابلة للتبدّل بحسب الظروف، فهذا ما يفتح الباب أمام الشك ويضعف الثقة بالقرار.
الأستاذ الجامعي يريد أن يعرف أين يقف، وعلى أي أساس قُبل أو استُبعد. والطالب يريد جامعة مستقرة وأساتذة قادرين على التفرّغ للتعليم والبحث. والجامعة نفسها تحتاج إلى هيئة تعليمية مستقرة تستطيع أن تخطّط للمستقبل، لا أن تبقى أسيرة ملفات مؤجّلة وتسويات مؤقتة.
ولا ينبغي أن يتحوّل النقاش إلى سؤال عن حصة هذه الطائفة أو تلك، أو إلى مقارنة بين كلية وأخرى. الجامعة أكبر من ذلك.
المطلوب هو أن تكون هناك قاعدة واضحة، وأن تُطبّق على الجميع، وأن يكون أي قرار قابلاً للتفسير والدفاع عنه أمام أهل الجامعة والرأي العام.
أمّا إذا أصبح التوازن الطائفي هو المدخل إلى ملف أكاديمي، أو أصبح عدد الطلاب مبرّراً لتهميش اختصاصات أساسية، فإننا نكون أمام مشكلة تتجاوز ملف التفرّغ نفسه. فالجامعة اللبنانية ليست ملكاً لطائفة، وليست شركة تبحث عن الاختصاص الأكثر ربحاً.
هي جامعة اللبنانيين جميعاً، ودورها أن تحافظ على العلم والمعرفة وتكافؤ الفرص، وأن تؤمّن التعليم في مختلف المجالات التي يحتاج إليها المجتمع، لا فقط تلك التي تبدو مربحة في حسابات السوق.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس مجرّد إنهاء ملف التفرّغ بأي صيغة، وإنما إنهاؤه بصيغة عادلة وواضحة وقابلة للدفاع عنها. فالقضية في النهاية ليست فقط: من يدخل إلى التفرّغ ومن يبقى خارجه؟ القضية هي: أيّ جامعة نريد أن نتركها للأجيال المقبلة؟
* عضو لجنة الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، أستاذ متعاقد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الأول.
