ينتشر من جانب بيروت 40 برج مراقبة متطوراً تديرها قوة الحدود البرية

يتعرض الهاربون إلى أخطار أثناء انتقالهم بين البلدين عبر المعابر غير النظامية، قد تنهي حياتهم في بعض الأحيان (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)
ملخص
الآلية المعتمدة لتهريب الأشخاص “على مسؤوليتهم الشخصية” بفعل الأخطار المتعددة، واحتمالية التعرض لحوادث أو سقوط أو حتى الوفيات بسبب الإنهاك. وتبدأ العملية من خلال السمسار، وهو واحد من أبناء المنطقة في شرق سوريا مثلاً، الذي يتوسط مع المهربين وسائقي الفانات، إذ يقوم الاتفاق على “عدم دفع مبلغ الـ100 دولار أميركي قبل الوصول إلى بيروت”.
“الرحلة كانت مضنية للغاية لكنها كانت ضرورية بسبب صعوبة الحياة في سوريا وعدم اندماج الأولاد في البيئة الجديدة”، و”ما كنا نظن أننا سنصل إلى سوريا عائدين من لبنان بفعل وعورة الطريق الجبلية التي سلكناها مع المهربين، الذين تقاضوا 100 دولار لقاء كل فرد من العائلة المؤلفة من أربعة أشخاص”، و”لم يكن لدينا خيار سوى الهرب إلى الداخل اللبناني من أجل النجاة في حياتنا”… هذه بعض الشهادات التي سمعتها “اندبندنت عربية” على لسان سوريين وصلوا إلى لبنان أو غادروه عائدين إلى بلدهم سالكين طرقاً ومعابر غير نظامية منتشرة على طول الحدود بين البلدين، على رغم الجهود المبذولة من قبل القوى الشرعية لقمع الظاهرة، في المقابل، يتحدث سليمان أحد العاملين في مجال التهريب (فضل عدم الكشف عن اسمه كاملاً) عن “تراجع كبير في أعداد الركاب بسبب تشديد الأمن العام السوري واللبناني الإجراءات الأمنية في الاتجاهين في أعقاب حادثة الغرق في الـ29 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 عند مجرى النهر الكبير، والتي غرق خلالها 11 سورياً كان يحاولون العودة إلى بلدهم بطريقة غير شرعية.
شبكة علاقات
“لكل مجموعة سورية معبرها الخاص، فإذا ما كنت تنتمي إلى مناطق شرق سوريا فمن الأفضل أن تتوجه عبر حمص – وادي خالد في عكار، أما أبناء الطائفة العلوية والساحل فيدخلون عبر مجرى النهر الجنوبي الكبير (شمال لبنان)”، يقول سليمان الذي تمكن من تحسين ظروف حياته والتكيف مع أعباء الأزمة الاقتصادية في سوريا عقب مغادرته لبنان، مستفيداً من علاقاته الشخصية التي راكمها بين البلدين، ويقول “يأتي أنصار النظام الجديد عبر وادي خالد (بلدة لبنانية) من خلال خط البترول ومعابر جبلية في قرية العويشات والواويات ومعبر صالحة ومعبر قرحا والكنيسة وبويت، أما أبناء الطائفة العلوية فيعبرون من خلال معابر السهل في تلبيرة والشيخ عياش والحيصة – عكار شمال لبنان”.
يتحدث الشاب الثلاثيني بلغة الواثق والمطلع على الملف، كاشفاً عن صورة إجمالية لعمليات التهريب بين لبنان وسوريا، التي “تراجعت كثيراً في الفترة الأخيرة”، ومتحدثاً عن “شبكة متكاملة” بين سوريا ولبنان، تتألف من سائقي فانات وسماسرة وعناصر على ارتباط بأجهزة أمنية، مميزاً بين نازح اقتصادي قادم من شرق سوريا، أي أبناء الرقة ودير الزور والحسكة والمناطق النائية، ويأتي هؤلاء من أجل العمل في لبنان بسبب عدم وجود مقومات الحياة في مناطقهم السورية، فيما ينزح أبناء الساحل العلوي و”مناصرو النظام” عبر سهل عكار ومنطقة الرنسية التي تقع بين العريضة الغربية في طرطوس والدبوسية، المقابلة لقرية الحيصة في عكار لبنانن، هرباً من وضع أمني يقلقهم في سوريا.
أما العائدون إلى الداخل السوري عبر المعابر غير الشرعية، فهم بغالبيتهم نازحون عاشوا في لبنان بطرق غير قانونية طوال السنوات الماضية وقرروا أخيراً العودة إلى بلدهم، فيما هم غير قادرين “نظامياً” على العبور من خلال المعابر الشرعية.
تجارة رابحة لكن الأخطار كثيرة
تنتمي عمليات التهريب إلى فئة “التجارة الرابحة”، إذ كانت تؤمن دخلاً إضافياً لعناصر الأجهزة الأمنية في عهد نظام الرئيس السابق بشار الأسد، ولعناصر بعض الجماعات والميليشيات في مرحلة الفراغ الأمني، وهي “تجارة لا تحتاج إلى رأسمال، وتؤمن ربحاً صافياً للسمسار والمهرب والسائق في مجال نقل الأشخاص”، إذ “يستخدم هؤلاء العلاقات الشخصية من أجل إيصال الأشخاص إلى وجهتهم الأخيرة” حسب أحد المهربين، الذي يؤكد أن “جني مبلغ 25 أو 30 دولاراً أميركياً كافٍ لإعانة العائلة ليوم كامل في سوريا، وهو ربح صافٍ محقق بفعل معرفتهم بجغرافية المنطقة”.
يتعرض الهاربون إلى أخطار كبيرة أثناء انتقالهم بين البلدين عبر المعابر غير النظامية، قد تنهي حياتهم في بعض الأحيان. ويعترف سليمان “قبل خمسة أشهر، توفي أحد الركاب من منطقة دير الزور ما إن وصل إلى الأراضي اللبنانية بفعل الإنهاك والتعب”، و”عندما ركب في الفان، شرب الماء قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، كانت لحظة مؤثرة لابن شقيقته الذي رافقه في الرحلة وبقية الركاب، وقد اضطروا إلى إعادته إلى الأراضي السورية بعدما تقدم ابن شقيقته بأنه توفي بصورة طبيعية، ولم يتعرض لأي حادثة أو عملية قتل”.
طرق تهريب مبتكرة على الطرق الآمنة
على صعيد الطرق الآمنة، ترصد التقارير الأمنية تراجع وتيرة تهريب البشر، لكنها لم تتوقف بعد سقوط النظام السوري، فقد سبق للجيش اللبناني أن أحبط عمليات تهريب بطرق “مبتكرة” و”غاية في الخطورة”، على غرار استخدام شاحنات وخزانات الغاز، أو حتى في شاحنات تهريب الحيوانات والخضراوات، وغيرها من الأساليب، ويتحدث سليمان عن “تراجع كلفة الهرب إلى لبنان، ففي الحقبة السابقة لسقوط الأسد، كانت تتجاوز الكلفة 400 دولار أميركي بفعل اضطرار المهرب إلى دفع رشوة إلى حواجز النظام والفرقة الرابعة وعناصر حرس الحدود، إذ تقاضى هؤلاء أجوراً شهرية لقاء فتح الحدود مدة ساعتين يومياً، وهو أمر كان مفهوماً لأن أجر العنصر العسكري ما كان ليتجاوز الـ30 دولاراً أميركياً، فيما يحاول النظام الجديد تشديد العقوبة تحت طائلة السجن والطرد من جهاز الأمن العام”.
مسار تهريب البشر عبر الحدود السورية اللبنانية
يشرح سليمان الآلية المعتمدة لتهريب الأشخاص “على مسؤوليتهم الشخصية” بفعل الأخطار المتعددة، واحتمالية التعرض لحوادث أو سقوط أو حتى الوفيات بسبب الإنهاك.
تبدأ العملية من خلال السمسار، وهو واحد من أبناء المنطقة في شرق سوريا مثلاً، الذي يتوسط مع المهربين وسائقي الفانات، إذ يقوم الاتفاق على “عدم دفع مبلغ الـ100 دولار أميركي قبل الوصول إلى بيروت”، يقوم بإرسال النازح إلى حمص، ومن ثم يلتقي به المهرب، حيث ينقل بفان إلى مركز التجميع عند “جسر أرزونة” (قرب طرطوس)، قبل نقلهم إلى الأراضي اللبنانية عبر معابر غير نظامية، حيث “يلتقي هؤلاء داخل الأراضي اللبنانية بسائقي فانات من أصحاب الخبرة، الذين يجيدون المناورة والهرب من حواجز الجيش اللبناني، وتحديداً حاجز دير عمار الذي يعد هاجساً للمهربين، ومن ثم في حال تمكنوا من تجاوزه، فإنهم يصبحون في أمان، إذ يلجأ السائقون إلى طرق ملتوية باتجاه المنية والضنية نزولاً إلى طرابلس (شمال لبنان) ومن ثم إلى بيروت، وهناك يدفع الراكب التعرفة المتفق عليها”.
ويكمل روايته “في حال ضبطهم من قبل الجيش اللبناني، يقوم بتسليمهم إلى أقرب نقطة لحرس الحدود السوري الذي يوصلهم إلى أقرب طريق دولي، ولكن كثير منهم يحاولون مرة أخرى ويعودون إلى لبنان بطرق التهريب لجمع الشمل مع عائلتهم أو أصحاب عملهم”.
أما عن أسباب عودة بعض السوريين إلى بلادهم بطرق غير نظامية، “لأنه في حال إكمال إجراءات الخروج من لبنان، ستعمد المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة إلى شطب هؤلاء من قوائم المستفيدين من الخدمات والإعانات”.
شبهة التهريب
يشعر أهالي سهل عكار أنهم في “موضع شبهة بسبب مساعدة السوريين الهاربين في العبور على رغم زيادة الإجراءات الأمنية”، كلما اتجهوا إلى أراضيهم الواقعة على مجرى النهر الرابط بين البلدين، بحسب علي وهو مالك أرض زراعية في المنطقة.
يروي الرجل الخمسيني “لم يسبق لنا أن شاركنا في أعمال التهريب، ولكن نتعرض لعمليات دهم من الجيش، كلما قصدنا الأرض، في نهاية الصيف الماضي وأثناء عمليات قلع البطاطا، دهمتنا قوة من الجيش اللبناني، وطلبت إخراج عمال الورشة من الأرض”، ولكنه في المقابل، يخبرنا عن بعض صور التهريب الشائعة على النهر الجنوبي الكبير الذي لا يتجاوز عرضه بين 5 و10 أمتار في أقصى حد ممكن، ويفيد “لجأ الأهالي إلى استخدام الإطارات المطاطية، أو حتى المراكب الصغيرة لمساعدة العابرين من جهة إلى أخرى، وفي غالب الأحيان من دون مقابل مادي”، لافتاً إلى خطورة كبيرة بسبب قوة التيار، وليس في عمق المجرى، “قبل قرابة الشهر (في بداية فصل الشتاء) كان العبور على الأقدام، ولكن مع زيادة المتساقطات ارتفع منسوب المخاطرة، وعاد ليفيض على المزروعات”.
من جهته، يأسف مختار منطقة جبل محسن في طرابلس حسام تامر لفشل الدولة اللبنانية في إقامة إنشاءات لحماية أهالي السهل من فيضان النهر الكبير الجنوبي، وحصر الحركة على ضفافه بفعل انخفاض مستوى المياه، والانتقال عبره من دون استشارة أصحاب الخبرة في التيارات المائية القوية خلال الشتاء وعدم إتقان السباحة.